Saturday, February 16, 2008

إشارات حول النهضة الموسيقية في الكويت




في تاريخ الكويت الموسيقي, مرت على الكويت ثلاثة عقود من النهضة الموسيقية, هي الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي, تطورت عبرها الموسيقى والأغنية الكويتية إلى مستويات مرموقة, قياساً بذلك الوقت ومقارنة بدول أخرى.
في هذه الفترة كان الدارسون للموسيقى من الكويتيين, والذين تعلموا في بلدان عربية أهمها مصر, يطبقون علمهم بإبداع خلاق وبما يناسب الإيقاع والتراث الكويتيين, وظهرت الأوركسترا المكونة من مجموعة من العازفين, وتم توزيع الموسيقى مما أعطى وضوحاً وقيمة للحن الكويتي, ولعل فضيلة وزارة الإعلام في ذلك الوقت, هي إنشاء فرقة إذاعة الكويت, التي صاحبت معظم المطربين الكويتيين, وكانت الفرقة مكونة من عازفين عرب يشاركهم بعض الكويتيين, واشتهرت الأغاني الكويتية ذات المستوى الراقي في كل الدول العربية, بل لحن مجموعة من الملحنين لمطربين عرب, منهم عبد الحميد السيد الذي لحن لعبد الحليم حافظ, وحمد الرجيب الذي لحن لمجموعة من المطربين العرب منهم عبد الحليم حافظ ونجاح سلام ونجاة الصغيرة, ولحن أحمد باقر لعلية التونسية.
ولم يكن الإبداع مستورداً كما يظن بعض الإخوة العرب, بل أدخل بعض الملحنين الكويتيين بعض الآلات الموسيقية الحديثة في خمسينيات القرن الماضي, مثل أحمد الزنجباري الذي أدخل البيانو على الصوت العربي, والزنجباري الذي أظن أنه لم يحصل على الجنسية الكويتية, قدم تسعة ألحان عبقرية, كما أدخل حمد الرجيب آلة القانون التي كان يلحن من خلالها, كما انعطف عوض الدوخي بالأغنية الكويتية إلى أبعاد أخرى أضفت شخصية ناضجة على اللحن والكلمة.
ولم تكن هذه النهضة لتتم لولا جهود المخلصين الكويتيين في جمع التراث الشعبي, ويذكر د. خليفة الوقيان في كتابه " الثقافة في الكويت/ بواكير واتجاهات" أنه بعد أن عهد إلى الأستاذ حمد الرجيب بتأسيس دائرة الشئون الاجتماعية والعمل, شرع في تأسيس "مركز رعاية الفنون الشعبية" في العام 1956م, وشكل لجنة مكونة من كل من عبد العزيز حسين, أحمد البشر الرومي, محمد جاسم المضف, سعود الراشد, أحمد العدواني.
وقد نهل من هذا المركز عدد من الفنانين الشباب الموهوبين مثل أحمد الزنجباري وعبد العزيز المفرج وأحمد باقر وعبد الحميد السيد, واستخلصوا ألحاناً جميلة متطورة, مثل "لي خليل حسين" لأحمد باقر, و"فرحة العودة" لحمد الرجيب وهما من كلمات أحمد العدواني وغناء عبد العزيز مفرج, وسجل الفنان سعود الراشد في القاهرة مجموعة من الأغاني بمصاحبة فرقة موسيقية متكاملة, منها "سادتي" و"فز قلبي", كان ذلك بالعام 1958م, ثم جاء تأسيس المعهد العالي للفنون الموسيقية ليقدم مادة علمية أكاديمية للدارسين والدارسات من الكويت ومختلف دول الخليج العربي.
لكن الفن الموسيقي الكويتي لم يظهر من فراغ, أو ظهر مع الوفرة النفطية, بل تعتبر الموسيقى الكويتية من أثرى الفنون في الخليج, ويتحدث الباحث الموسيقي اليماني (راجع الكتاب السابق) د. نزار غانم عن التأثير الكبير للفنون الموسيقية الكويتية على اليمن, وقد سمعت الباحث يقول في ندوة فن الصوت التي نظمها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب قبل سنوات, أن اليمنيين يسمون الصوت المغنى باليمن "صوت كويتي".
ويتحدث الباحثين في الفنون الموسيقية مثل د. صالح حمدان والفنان غنام الديكان, عن صعوبة وتعدد وتعقيد الزمن الموسيقي في الفنون التراثية, خاصة الفنون البحرية, وبالأخص السنكني, إذ يدل ذلك على عمق التجربة الموسيقية, بعكس الإيقاعات البسيطة والسطحية في بعض فنون البادية, ويعود ذلك إلى احتكاك الإنسان الكويتي بالثقافات الأخرى منذ أزمان بعيدة, وتطور التعبير عن المهن البحرية ومعاناة البحارة, ويرجع البعض نشاطي الغوص والسفر عند الكويتيين إلى آلاف السنين, ويكفي أن نعرف أن فن الصوت يعود إلى العصر العباسي الإسلامي.
لكن مع كل هذه الجهود في الكتابة عن الموسيقى الكويتية, التي كتبها مجموعة من الباحثين المهتمين, إضافة إلى رسالات الدكتوراه التي قدمها الطلبة الكويتيين, لم يتم التطرق إلى تشريح بنية الألحان الكويتية القديمة, وبالأخص الفنون البحرية, بل ظلت معظم الدراسات أما تاريخية أو وصفية.
ويقوم الدكتور خليفة الوقيان هذه الأيام, بتوسيع بحثه عن الفنون الموسيقية باحثاً عن هذا الاتجاه التشريحي الفني والتقني, ومكانة الزمن والتقنية الموسيقيتين في هذه الفنون بين موسيقى العالم, وبالتأكيد سيحتاج إلى كل مساعدة ممكنة, كي يتم توثيق ذلك قبل أن يغيب الزمن هذه الفنون والمهتمين بها.


No comments: