Sunday, June 15, 2008

أنا كويتي حر



وأحب الكويت, وأعشق كل ما فيها, برها, بحرها, ربيعها, حرها وبردها وناسها, مثلي مثل كل الكويتيين الأحرار, الذين لم تستطع قوة في الدنيا سلبهم حريتهم, لم يستطع الوهابيون, ولم يستطع الغزو الصدامي سلبهم هذه الحرية, وعندما تسأل أي كويتي: ما أغلى شيء لديك؟ لابد وأن يجاوبك: الحرية التي جبل عليها أهلي وأجدادي, وسأنتزعها من بين فكي أسد إن اضطررت.
كنا نحلق بين موانئ الدنيا بأشرعتنا البيضاء, كأجنحة طيور النورس, مستعينين بالغناء والنغم على الشقاء, بل كنا ننثر بعضاً من أنغامنا في موانئ الآخرين, مثل ميناء عدن والمكلا, ونأتي بالأنغام التي تعجبنا من موانئ أخرى, كي نمزجها مع فنوننا, فنحن لا نرفض الآخر وفنونه, ولا ثقافته أو دينه, نحن نحب البشر بتواضع نبيل, ولذا أحبنا البشر.
نحن أبناء السندباد, نحن أبناء النمور التي كانت تكشر عن أنيابها, وتقاتل بضراوة للدفاع عن هذه الأرض وعن الحرية الغالية, نحن ابناء النور ونكره الظلام, نحن صدرنا النور إلى الشعوب الأخرى, أهلنا وأجدادنا كانوا عظماء في بساطتهم وتسامحهم وتحضرهم.
كان الكويتيون يمزحون في الخمسينيات والستينيات, فعندما يسأل أحدهم: لماذا فعلت ذلك؟ يرد:"كيفي أنا كويتي", الكويتيون يعتزون بانتمائهم لهذه الأرض, لهذا الوطن, لهذا الشعب, لأنه لا يوجد شعب يضاهيه بامتيازات الحرية, ولن تستطيع قوة في الدنيا سلب هذه الحرية من الكويتيين.
لم نجزع يوماً ولم نخف من تهديد, بل زادتنا الخطوب صلابةً وتمسكاً بحريتنا, واجهنا خطف الطائرات وقتل الأبرياء, واجهنا الإرهاب بكل أشكاله, واجهنا الاحتلال والأسر والتعذيب والتنكيل, واجهنا محاولات الانقضاض على دستورنا, واجهنا الردة ومحاولات جرنا عكس عجلة التاريخ, وكل ذلك جعلنا نتمسك أكثر بتراب الوطن, وبنموذج الشخصية الكويتية الحرة.
بنينا المدارس والمستشفيات والمؤسسات الثقافية والصحفية الحرة, وانطلقنا على دروب العلم والمعرفة والانفتاح والنور, كنا أخوان وأخوات الريح في تقدمنا, كانت الدار دار أمان لكل من يحل فيها, أياً كان أصله أو دينه, كانت ملاذاً للعرب, وللثورة الفلسطينية, وكنا دعماً لتحرر الشعوب العربية, كنا نموذجاً مضيئاً, وضعنا سقفاً عالياً للحرية وبناء المجتمع المدني, لم تستطع الدولة الأخرى الوصول له.
أنا كويتي حر, ولن تقف لجنة مخالفة للدستور ولأعراف وعادات أجدادي, بوجه حريتي وحرية أبنائي, الذي تربوا بكل فخر على حرية آبائهم وأجدادهم, وستنتهي هذه اللجنة, وستصبح وصمة مخجلة للشعب الكويتي, لكنها لن تبقى, ولن يستطيع الطارؤون على السياسة والثقافة الكويتية, فرضها على أبنائي وأبناء شعبي, وعلى هؤلاء قراءة تاريخ الكويت ليعرفوا معدن شعبها.
أنا كويتي حر, كنت هنا عندما ظن صدام أنه سلبني حريتي, كنت وأبنائي هنا وحملت السلاح والقلم دفاعاً عن حريتي وحرية أرضي, وكان أبي وجدي هنا عندما مرت الخطوب على الكويت, حمل جدي السلاح دفاعاً عن السور والجهراء, وحمل أبي السلاح ضد تهديد عبد الكريم قاسم, فالحرية والدفاع عنها في دمي ودم أبنائي, ودماء جميع الكويتيين.
لم نكن نريد عودة الكويت والشرعية من أجل اسقاط القروض, أو من أجل الاستيلاء على أملاك الدولة, أو نهب أموال الشعب من خلال المناقصات, لم نكن نفكر إلا بحريتنا وكرامتنا, ولأننا ربينا على فداء الوطن بدون شروط أو منة, لأننا ربينا على حب الكويت وعلى الحرية, التي يعتبرها كل الكويتيين خطاً أحمراً, لا يجوز تخطيه لا من سلطة تشريعية ولا من سلطة تنفيذية, ولا من كائناً كان.
أما لجنة الظواهر السلبية, فهي من الظواهر السلبية الطارئة على الكويت, ولن يكتب لها الحياة مع شعب كهذا, مثلها مثل كل محاولات الاعتداء على حقوقنا وحرياتنا.
لذلك سأظل كويتياً حراً, وسأظل أحب الكويت, ولن أتخلى عن حريتني مهما كان الثمن.



Sunday, June 8, 2008

الأمن ثقافة




نشرت القبس سلسلة من التحقيقات، حول "تجاوزات رجال الأمن", وهو ما نوهت عنه في بعض المقالات, حيث يعكس ذلك غياب هيبة القانون, وعدم تطبيق العدالة بشكل حازم على الجميع.
قلت: أن الزي العسكري كان يبعث فينا شعور الأمان في الماضي, ولكنه الآن يسبب لنا قلقاً وعدم شعور بالأمان في بلدنا, نسي الناس شعار "الشرطة في خدمة الشعب", وحل محله "الشرطة تهديد للشعب", فمن يفترض به حمايتنا وحماية بناتنا, يقوم بانتهاك حرماتنا ويهدد بناتنا, ويسئ معاملتنا, ويخالف القوانين ويزور ويغير بالبيانات, ويتلقى رشاوى, ويبيع رخص السوق للعمالة الهامشية, وغيرها من الممارسات التي تقوض أمن المجتمع.
فعدد حالات التحرش الجنسي والخطف وانتهاك العرض, باتت منشورة بالصحف, بل آخذة بالازدياد, إضافة إلى تعاطي المخدرات وتهريبها, والاستقواء بالزي الرسمي لإهانة الناس, وسبهم وضربهم أحياناً.
كتبت بعد الحرب في العراق, أن الضباط والشرطة في نقاط التفتيش, كانوا يسمحون للابسي "الشماغات" بالمرور دون الاطلاع على هوياتهم, ولكنهم في كل مرة يوقفوني فترة, لأني ألبس بنطلوناً, وكثير من الأحيان يسألون من التي معك, قاصدين زوجتي التي تجلس إلى جانبي بالسيارة.
عندما بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980م, كنت وقتها ضابطاً بالتجنيد, وكلفت بحراسة منطقة شعيبة وفحيحيل, وزودت بسبعة سيارات جيب, وعدد كبير من الجنود, وكانت سيارة القيادة المتصلة بغرفة العمليات بحوزتي, وكانت تأتيني عشرات من شكاوى المواطنين, من تعامل الجنود معهم في نقاط التفتيش, وعندما يحتج المواطن يقوم الجندي بتحطيم سيارته ب"أخمص" البندقية, وعاقبت بالسجن العديد من الجنود في حينها, وعندما اجتمعت مع قائدي اقترحت عليه ابعاد الجنود عن المناطق المدنية, وتركها لرجال الداخلية المدربين على التعامل مع الجمهور باحترام وتقدير, وشرحت له أن جنود وزارة الدفاع, لم يدربوا على التعامل مع المواطنين, ويتعاملون بهمجية وتسلط مع الناس, وبالفعل حصرت حمايتنا على منطقة شعيبة الصناعية.
والآن, نستعين بمن ليخلصنا من شرور وفساد بعض أفراد وضباط الداخلية؟! إن شكونا من مخالفات المرور, سنجد أن الدوريات أكثر من يخالف ويتهور, ويشغل الإضاءة على الدوريات بداع ودون داعي, وإن شكونا من الازدحام والتجاوزات والمضايقة في الشوارع, سنجد أن بعض الفاسدين يبيعون رخص السوق على كل من هب ودب, بمن فيهم العمالة الهامشية, بمبلغ 150 ديناراً, وإذا علمنا أن بعض السيارات القديمة تباع بمئة دينار, سيبطل العجب, ناهيك عن إلغاء المخالفات لابن القبيلة, وغيرها من حوادث المخافر, حيث القبيلة تسبق العدالة.
لكن لدي حكاية تختلف, حكى لي صديق يعرف عقيداً بالداخلية, خرج من الجمعية بلباس مدني, فوجد سائقاً هندياً يسد مخرج سيارته من المواقف, فطلب منه أن يزيح سيارته كي يخرج, ولكن السائق ظل رافعاً لزجاج النافذة "حرفياً", وفي النهاية أنزل الزجاج, وقال للضابط:"يلا ولّي", ولأن الضابط لا يستقوي بقبيلته, ولا يعتد إلا بالقانون, إتصل على الدوريات التي أتت وخالفت السائق, ولكن بعد أيام فوجئ الضابط باستداعئه لقضية اعتداء, فما حصل هو أن السائق اشتكى "لمعزبه", الذي يعمل شرطياً, فاتفق المعزب معه على جرح رقبته, والادعاء بأن الضابط فعل ذلك, وبالفعل حكم على الضابط بالسجن, وبالاستئناف أوقف التنفيذ.
لا فرق اطلاقاً بين تجاوزات الشرطة, وتجاوزات بعض الطارئين الفاسدين في مجتمعنا, تبدو الثقافة واحدة, فالعدالة مفقودة, وهيبة القانون منتهكة, والأمان مفقود بسبب هذه الثقافة التي لم نعتدها, بسبب غياب التحضر والرقي الذي لازم الكويتيين فترة طويلة من الزمن.
بحت أصواتنا ونحن نكرر: الثقافة أولاً, التنمية أولاً, فلا تنمية وإصلاح دون ثقافة وتحضر, دون عودة الاعتبار لمجتمع المؤسسات المدنية.

Sunday, June 1, 2008

نعم أرجلنا في الوحل ولكن ..





عند قرب نهاية العقد الماضي أحسست "بنوستالجيا" أو شجن للقرن الماضي, وهو قرن لم يكن بشعاً في مجمله, وقد وقعت في حب بعض العقود التي عشتها والتي لم أعشها, وعندما نظرت من موقع أبعد, وجدت أن نوستالجيا وحنيناً آخر الى الألفية الماضية, وتذكرت بعض القرون التي وقعت في عشقها, لم يكن هناك بد من الاعتراف بأن العالم متناهي في الصغر.
هل هو الاحتلال الذي أصابني في أضعف نقطة بأول العقد الماضي؟! أم هو وجه العالم الجديد الذي مد إلي لسانه الكبير و أربك نظامي؟!
أنا أفهم أن الأمور لا تسير في طريق التاريخ كما تسير على " الهاي واي" أو طريق معبدة, فالحواجز تظهر أحياناً دون لافتات تحذير تسبقها, وهنا لا أعني عن نتائج بلا أسباب, ولكني أعني تلك الأمور غير المرسوم لها في نسقنا العقلي والمنطقي, فأحياناً يمكن ان يموت شخص مفتول العضلات من الغرغرينا، فقط لأنه استهان بالجرح الصغير, نحن كنا هذا الشخص.
نحن جناة وضحايا, ردعنا الشجاعة بذريعة الوحدة الوطنية وردعنا الحق بذريعة الديمقراطية, فهل يمكن تجزئة الإحباط؟! وهل يمكن تجزئة الانتصار؟! كنا جناة عندما أسدلنا ستائر ستالين, تلك التي عندما كان يمر بقطاره بين القرى فحذره أحد رفاقه أنه سينزعج من مناظر البؤس في هذه القرى فقال ستالين: "بسيطة أسدلوا ستائر القطار ولن نتألم من هذه المناظر", نحن أسدلنا ستائر ستالين على الجرح الصغير.
كنا ضحايا الأمل المخادع "لهاي واي" نسير فيه الى الخلاص, كما كنا ضحايا عندما ضحكنا كثيراً ولم نقل: " اللهم اجعله خير ", كنا ضحايا وعد من الدنيا بأننا سنكون على خير.
في عقد الفرص الضائعة قال التاريخ :"All aboard " وتخلف اثنان من السكارى كانا في البار, فملئا الدنيا صياحاً على الظلم الواقع عليهما، ثم قاما بكيل الاتهامات للتاريخ.
لم يكن السبب الأعداء الوهميين الذين اخترعهم "الرفيق بنشوني" وهي, من أكثر الروايات طرافة, بل السبب كان الخذلان من داخلنا, أضدادنا التي كنا نحملها في دواخلنا وما زلنا.
الهموم جدية بلا شك .. الهموم جدية يا أخي.
هل السر في الفكر؟ نعم هناك انحطاط في الفكر سبب ونتيجة, وهناك خطة لتدمير الشخصية الحضارية, هل ما زلنا نتوهم المؤامرة الغربية؟!.. هل ما زلنا نحلم بالدواء السحري الغربي؟!, لكن الغرب لن يستطيع معالجة شخص يرفض العلاج, بل لن يهتم ان عاش أو مات, وقد يكون الغرب نفسه يعاني من أمراض مميتة, فالرأسمالية التي أعلنت عن انتصارها النهائي بعد الحرب الباردة, خرجت من المعركة وفي قلبها خنجر, إن سحبته ماتت على الفور وإن أبقته ظلت تحتضر الى فترة أطول من المعتاد.
انحطاط الفكر هو ما جعل جماعة طالبان يدافعون باعتزاز عن جريمة تدمير التراث الإنساني في أفغانستان, هو ما جعل بعض أعضاء مجلس الأمة يهاجمون الثقافة, ويقاتلون من أجل ثقافة وقف الزمن.
نعم أن الجهود ذات الدفع الإيجابي التي قام بها صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد لاستعادة المجد الاقتصادي الكويتي القديم, والذي رفرف بجناحيه بعيداً في عقود الفرص الضائعة, هي جهود توقظ تفاؤلاً مع قهوة الصباح ومنشيتات الصحف..لكن ماذا عن المجد الثقافي والحضاري الذي –برأيي – صنع المجد الاقتصادي, ولولاه لكانت الوفرة النفطية مجرد إسمنتاً وأحدث الهواتف المتنقلة فقط, بيد أن الثقافة والتحضر قدما للكويت عبر عقود, قيمة مضافة..وإن شئت تميزاً..
السر في السؤال: هل نريد نقوداً "بانك نوت" أم تنمية؟!..
كانت المؤامرة على الثقافة والتحضر تأخذان مداهما عبر العقود المفقودة من تاريخ الكويت, فما أن يعرض فلم وثائقي عن الكويت حتى يبدأ بجمال وبيوت شعر تهفهف مع الرياح والغبار, حتى أعتقد أبناؤنا أن تلك هي الكويت, وتلك هي الثقافة الكويتية فقط, وليس صحيحاً أن الكويت أنجبت شعراء يسكنون في بيوت ويقرءون الكتب ويعرفون الإلياذة, فقد كان فهد العسكر أسطورة وصقر الشبيب أكذوبة, والشيخ يوسف بن عيسى والشيخ عبدالله السالم وهماً, وكل الأسماء مثل عبد العزيز حسين وعبدالله زكريا الأنصاري وعبد الرزاق البصير وغيرهم, كانت دعاية عنصرية, لم يكن في الكويت إلا إبل وفتوى ضد أصنام بوذا وفيلكا, وما السبعة آلاف عام من الحضارة والتي أثبتتها الحفريات في الصبية, إلا أحلام الطارئين من التغريبيين.
يقول أحد أعضاء مجلس الأمة: ما علاقة الغناء بالثقافة ؟ وبالمقابل يقول أكاديمي ليبرالي: ما علاقة برنامج عالم الحيوان بالثقافة؟ يالا بؤس الثقافة, أليس كورس الحضارة واحد؟ لا يمكن تجزئته مثل الإحباط والانتصار لا يمكن تجزئتهما.
هذا يمارس الجهل وذاك يمارس الجهل, وجميعهم يمارسون العنف في الوقت المناسب, لكنني أحذر دائماً من شماعة الغزو وحده, وأتنبه مرة أخرى الى الحراك الاجتماعي, والفئات التي لم تعتد تكوين المجتمع الكويتي, ولا الى حواراته من أجل مستقبله منذ عقود طويلة.
النوستالجيا لا تعني فقط التغني بالماضي الدافئ, ولكنها تعني أهم من ذلك, تعني الاستفادة من ال Left over" " العقود والقرون والألفية التي مضت, لا نريد أن نتذمر كثيراً وننسى أن العربة التاريخية تسير الى أمام.
أحمد الله أن قلبي ما زال ينبض, وعقلي ما زال يعمل, وسأصحو غداً على أمل جديد, وسأمد ذراعي علها تلتقي بذراع أخرى, كي ننتشل بعضنا من الوحل.
فرغم أن أرجلنا في الوحل, إلا أن أعيننا شاخصة الى النجوم.



· أرجلنا في الوحل لكن عيوننا شاخصة إلى النجوم مقولة لكاتب أمريكي نسيت اسمه.

Sunday, May 25, 2008

وماذا بعد؟




انتهت المعارك الانتخابية، وانتهى معها كل توقع بالتغيير كان مأمولاً، فقد أسفرت النتائج عن المزيد من التشرذم القبلي والإسلامي السياسي والاستقطاب الطائفي، فهل تراجع وعي الناس؟ أم أن الغلبة في الصراع السياسي الكويتي تكون لصالح التخلف، والمال السياسي، ومخالفة القوانين؟ من تراجع هنا، الناس أم سيادة الدولة، أم التنظيمات السياسية؟
نحن نرضى بنتائج الديمقراطية أياً كانت، لكن أي نتيجة للانتخابات البرلمانية، تعود إلى مجموعة عوامل، منها التراخي الحكومي خلال عقود عن تطبيق القوانين، وغياب العدالة في التعامل مع المواطنين، والسماح للفساد بالاستشراء، فغاب دور مؤسسات المجتمع المدني، واستبدلت بالقبيلة والطائفة، حتى غدت مؤسسات بأكملها تحت سيطرة القبيلة، فكل مسؤول يأتي بأبناء عمومته، فتنحت الكفاءات، وأصبحت البلد تدار بأقل قدر من الإخلاص والدقة والإبداع، وأهدرت أموال الشعب، التي كان يجب أن تنفق على التنمية، بسبب عدم النزاهة والإخلاص، وبسبب سياسة التنفيع.
تخلت الحكومة عن حزمها وردعها للمخالفين والسارقين، فلم يعد لرجل الأمن أي هيبة، ولم يعد للقانون أي اعتبار، ولم تعد الوطنية والولاء يعنيان شيئاً، حتى أصبح بعض رجال الأمن يخالفون القانون، ويستقوون باللباس العسكري على أبناء وبنات الشعب، وأصبحت المخالفات المرورية تهدد حياتنا، حتى أصبحت المراجعة في الدوائر الحكومية كابوس للمواطن، وأصبحت البطالة المقنعة هي الأصل، والنزاهة هي الاستثناء.
اختفت عقول البلد، وكوادرها الفكرية، وانتشرت بسرعة قياسية شهادات الدكتوراه المزيفة، تحت شعار "تخرج وانفع ربعك"، الذي رفعه الإسلاميون في الثمانينيات، وأصبح لدينا آلاف من المحامين الذين يدافعون عن القبيلة، أو عن الفساد، والذين سيصبحون وكلاء نيابة، ثم قضاة، هذه السلطة القضائية التي نكن لها كل الاحترام والتقدير، لنزاهتها وتميزها منذ القرن الماضي.
ساهمت الدولة بتجهيل الأجيال، عندما شجعت قوى الإسلام السياسي، وسمحت له بوضع مناهج الدراسية، تدمر العقول ولا تنميها، سمحت له بفرض أجندته السياسية على الشعب الكويتي، وفرض الإرهاب الفكري والمادي، ومحاربة التحضر بكل صوره، حتى ظنت هذه القوى أن لها سلطة فوق سلطة صاحب السمو أمير الكويت، بمحاولة تغيير رئيس الحكومة، وهو حق مطلق للأمير.
وفي ظني، أنه حتى إذا تحولت الكويت إلى دائرة انتخابية واحدة، فلن يكون هناك التغير المنشود الذي يحلم به الإنسان الكويتي، فالقبيلة والطائفة والإسلام السياسي والفساد، أقوى من الدولة، فإذا لم تعرف الحكومة ماذا تريد من المستقبل، وتستعين برجال تنمويين، قادرين على قيادة البلد إلى طريق التقدم، فلا يمكن أن نعيش الأمل، وإذا لم تخضع الحكومة لصراخ النواب، وابتزازهم الذي أصبح يسئ إلى صورة الديمقراطية، فيمكن عندها أن نعيش الأمل وخطوة في الحلم.
وفي جانب آخر، فرغم الانتصار الرائع للمرأة في المعارك الانتخابية، إلا أن التنظيمات السياسية الوطنية، مدعوة للتفكير بجدية في سياساتها الانتخابية، فالوقت ليس وقت الخلاف والتمزق، والخروج على الصف الوطني، على هذه القوى أن تقدم وجوهاً شابة تمثل الطيف الوطني، وليس فقط الخبرة والقيادة، كان يجب أن تقدم وجهاً شيعياً، ووجهاً قبلياً مثلاً، إضافة للمرأة, وتبدأ منذ الآن في تنفيذ برامجها، سواء تحت قبة البرلمان أو خارجه، لتثبيت مصداقيتها، فلديها كوادر شابة رائعة، قادرة على العمل الوطني بدأب ونشاط.
التغيير الذي يمكن أن يتم في هذه المرحلة، هو تغيير شكل الحكومة التقليدي، والابتعاد عن المحاصصة، بتوزير كفاءات وطنية قوية، وتدعمها دون خوف من المجلس وصراخه ووعيده، حكومة قوية تسير في طريق التنمية، دون تردد، وغير ملتفتة للسذاجة البرلمانية، التي لا نعول عليها في التغيير، وتنمية البلد، في الوقت الراهن، وبهكذا تشكيلة.

Tuesday, May 20, 2008

انتباه




كل الدول استفادت من عثراتها ومن دروس الماضي, ما عدا الدول العربية, تظل في كل مرة تقع في نفس الحفرة, ولا أعلم ما الذي ينقص دولنا, أهو الثروة؟ أم العنصر البشري؟ أم العقل؟ لا أدري في الواقع.
تعرض لبنان العزيز في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي, إلى حرب طاحنة راح ضحيتها العديد من أبناء الشعب اللبناني, وهجر منه العديد, ودمرت مؤسساته وبنيته التحتية, وخلفت الحرب جروحاً وندوباً في النفوس.
كان ضعف كيان الدولة, والتراخي في فرض هيبة القانون, هما أهم الأسباب للانفلات الأمني, وكذلك التشرذم الديني والطائفي, والقتل على الهوية, كما كان النفوذ الخارجي يلعب دوره خفية وجهاراً, للسيطرة الإقليمية, ممدداً جذوره عبر الموالين له في الداخل اللبناني.
وبعد اتفاق الطائف, ومجيء رجل البناء والتعمير, الرئيس رفيق الحريري, ساد السلام في لبنان, وأعيد بناء كل المؤسسات, لكن هذه السعادة اللبنانية لم تعجب قوى التخلف والسيطرة, فقتلوه.
وحزب الله الذي كبر ونما, واحتضن على أنه جزء هام من المقاومة اللبنانية, ضد العدو الصهيوني, وجه في الأيام القليلة الماضية سلاح المقاومة إلى صدور اللبنانيين, إلى أخوته وأبناء بلده, ناسفاً بذلك كل الأوهام عن بطولاته, ففي معركة 2006 مع إسرائيل, نظرنا بتشكك إلى المبالغة في افتعال الحرب, وشعرنا وكأن ذلك مخطط تمهيدي لأمر آخر, رغم الانقسام الذي أحدثه هذا السلوك عند شعوبنا, وارتفاع نبرة التعصب الطائفي, ورغم أن السيد حسن نصر الله, قد اعتذر ضمناً عما ألحقه سلوكه في الشعب اللبناني ومؤسساته, إلا أن التعصب أعمى العيون وسد الآذان.
وها هو اليوم يقدم أفضل خدمة لإسرائيل, بقتله أبناء شعبه, وتدمير المؤسسات الإعلامية التي تخالف رأيه, محاولاً جر لبنان الحر إلى العصور الماضية, إلى الغلو, إلى الدولة الشمولية, ويجعل منارة الثقافة والتحضر في الأمة العربية, بلداً للخوف والتخلف والدمار, فأي مقاومة هذه؟! لكن للأسف سترتفع أصوات مؤيدة, فقط لأنه طائفي بجدارة, بيد أن نظرة أكثر وضوحاً تبين أنه تحالف مع ميشيل عون المسيحي, الذي فقد شعبيته بأفعاله, فهل هي طائفية أم سياسية؟ هل هي لخدمة لبنان أم خدمة لمن؟ فعندما تشتعل الفتنة, لا تتوقف حتى يأكل أوارها الأخضر واليابس.
ومن هنا جاء عنوان هذا المقال, "انتباه", ففقدان الدولة لسيطرتها وهيبتها له أثمان باهظة, وعندما يستبدل الولاء للدولة باعتبارها وطن الجميع, بالولاء للقبيلة والطائفة, فهذا ينذر بالخطر على البلد, وإذا أضفنا إلى هذا إلى عنصر انتشار السلاح بأيدي الرعونة والتعصب, فالخطر أكبر.
هناك توأمة بين الكويت ولبنان, فروح الانفتاح والتحضر, والانحياز للثقافة, تميز الشخصيتين الكويتية واللبنانية, والدولتان ميناءان هامان, ونافذتان على الثقافات الأخرى, كما أنهما مستهدفان في مشروعاتهما الحضارية والثقافية, ويشكلان مشكلة وفضيحة للأنظمة الأخرى, بتبنيهما نهج الديمقراطية والعيش المشترك.
إن المؤسسات المدنية, والقانون والقضاء, هي أسس الدول الحديثة والقوية, التي تسعى إلى التقدم والتنمية, والتي تحتوي الشعب بكل انتماءاته وطوائفه وأديانه, ضمن نسيج اجتماعي واحد, وتجرم الخروج على وحدة هذا النسيج.
تابعت عبر الصحف ووسائل الإعلام الأخرى, بعض ما يثار في الحملات الانتخابية, وشممت رائحة العنصرية والنعرات, تنبعث من مفردات بعض المرشحين, وهذا يشي بخطر يجب الانتباه له, فتجاربنا وتجارب أشقائنا في لبنان دروساً يجب التعلم منها قبل فوات الأوان.

Sunday, May 11, 2008

قف لأراك ..تحدث لأعرفك




حسب متابعتي البسيطة للحملة الانتخابية, لم أفهم بعد ما الذي يريده أو يهدف له المرشح, هناك توعد, تهديد, صراخ, وحتى قسم بالله بمخالفة القوانين وإهدار أموال الشعب وضرب هيبة الدولة, عجيب!
الكل معارض لأي شيء, الكل مصمم على تعطيل التنمية, وتدمير الأساس المدني للمجتمع, الكل يضع اللوم على الكل, وكثير منهم يجاهرون بالفساد وشراء الذمم, وتكريس التخلف, كثير منهم لديه القبيلة أولاً والوطن يأتي لاحقاً, شعارهم نهب وانتهاك الوطن لصالح القبيلة, ونتساءل: لماذا لم نعد ككويت الستينيات؟!!
لكن هل نمت هذه الظواهر لوحدها؟ ففي فترة من فترات النهضة, قررت الحكومة أن توسع من قاعدتها الاجتماعية, وتحد من الخطر المزعوم والوهمي للوطنيين واليساريين والقوميين, فأغلقت نادي الاستقلال وضيقت الخناق على من يحمل فكراً وطنياً مستنيراً, وسخرت المباحث السياسية لمراقبتهم والحد من نشاطاتهم, حتى في مصادر رزقهم.
وفي المقابل دعمت الحكومة الجماعات الدينية, واستقوت بها فانتشرت مراكزها في كل مكان في الكويت, وأصبح لديها بنوكاً ومؤسسات استثمارية, وبرامج إعلامية, ومع مرور السنوات, انخفض صوت التقدم, وعلا صوت جر البلاد للتخلف والفساد, وتوقفت مشروعات بناء الدولة الحديثة, واللحاق بركب التطور الدولي, وبدأت معدلات الحرية الشخصية تنخفض, وارتفعت معدلات الغلو والتطرف, حتى أصبح إرهاباً يهدد بتدمير الدولة والشعب.
لم تنتبه الحكومة لخطر المارد الذي أخرجته من القمقم, للغول الذي بدأت بتربيته صغيراً, ولم تتصور ولن تتصور, أنه سيلتهمها في يوم من الأيام, لم تتعامل مع أولى الظواهر السلبية وبوادر الخطر, رغم أن الدروس والعبر التي مر فيها الوطن كانت من القسوة بحيث يصحو لها من كان بغيبوبة, وأوضحها احتلال الكويت وقتل أبنائها, وتدمير بنيتها.
وفي المقابل لم تقدر الحكومة القوى التي حافظت على ثروة البلد, وأممت النفط, كما استبعدت فئة التجار التي كان لها الفضل الأول في بناء البلد, والتشكيل الثقافي المتطور له, واعتبرتها العدو الخطر.
طالبت القوى الإسلامية السياسية, بالإفراج عن السجناء الكويتيين في غوانتانامو, بادعاء براءتهم, وعندما أطلق سراحهم, فجر ثلاثة منهم أنفسهم في عمليات إرهابية, قتل فيها أبرياء في العراق, كل ذلك لأن الحكومة رضخت لهذه القوى السياسية, كل ذلك لأن الحكومة لم تعرف شريكها الحقيقي في البناء, الشريك الذي قاوم المحتل, وأعاد بناء الوطن الجريح, كما وعد في مؤتمر جدة الشعبي.
هل تعلمت الحكومة الدرس؟ كيف تستطيع إعادة هيبتها وهم أقوى منها؟ فالكويتيين الذين يرون مناظر الغوغائية في الصحف والمحطات الفضائية, يشعرون بالأسى, يشعرون بالرثاء على وطن مستباح, وقانون وطأت عليه آلاف الأقدام, يشعرون بالألم على شعب كبلت حرياته.
هل هناك أمل؟ نعم فالأمل دائماً موجود, والتعويل على حكمة القيادة ما زال ومنذ زمن بعيد, فالحزم بتطبيق القانون, لا يحتاج أكثر من إرادة, والتنمية والإصلاح, لا يحتاجان أكثر من الحزم والقوة ووضع مصلحة الوطن في الأمام.
لو استطعت فهم لغة المرشحين خلف صراخهم, لعرفت ملامح المرحلة المقبلة, لو سمعت منهم حلولاً تنموية ملموسة, لاهتممت أكثر, لو لمست تغيراً حاسماً من الحكومة في معالجة الخلل, لتفاءلت أكثر.
أقول للمرشح قف لأراك.. تحدث لأعرفك, لا تختبئ خلف قبيلة أو طائفة أو فئة, تحدث بود ومحبة, لا بغضب وكراهية.
لطالما تساءلت مع نفسي, لماذا كل هذا الاستقتال على كرسي البرلمان؟ هل هي محبة عارمة للوطن؟!

Saturday, May 3, 2008

دلالات الصوت العالي




في لقاء ضم بعض أعضاء رابطة الأدباء والمرشحة للانتخابات النيابية, الدكتورة أسيل العوضي, أثيرت خلاله بعض القضايا التي تؤرق الشعب الكويتي, كما أثيرت موضوعات لها علاقة بسلوك المرشحين وأعضاء مجلس الأمة, مثل ظاهرة الصراخ ورمي العقال الجديدتين على تقاليدنا وعلى الممارسة الديمقراطية في الكويت.
ولأن الدكتورة أسيل ذات صوت منخفض وهادئ, فحسب أصحاب ظاهرة الصوت العالي لن تنجح في الانتخابات, وهذا بالتأكيد ليس صحيحاً, فالمعروف للدارسين أن الشعوب البدائية هي التي تتحدث بصوت عال, وخاصة التي تعيش في الحقول أو في الصحراء لاتساع مساحة الأرض, وتستلزم صوتاً عالياً للمناداة والاتصال, فهي سمة للتخلف.
كما أن الصوت العالي يعني أن الشخص يفتقر للحجة والمنطق وثقافة الحوار, ويعبر تعبيراً واضحاً عن النقص, فالانفعال في الحوار يفقده معناه الحضاري بالتعلم والتطور المبني على الرأي والرأي الآخر, ويصبغه بصبغة المعركة ويعكس عدم الثقة بالنفس.
والناس أحياناً لديهم مفاهيم خاطئة للقوة, مثل القوة العضلية مثل فرض الرأي والأخذ بوضع اليد, والقسر والإجبار, وهذه بالتأكيد مفاهيم خاطئة, فالقوة الحقيقية هي بالحكمة والهدوء, هي باحترام اختلاف الآخر, هي برجاحة العقل والدفاع عن المبدأ والوطن, والمعروف أن الإنسان الغاضب لا يرى ولا يسمع.
وأكبر دليل على بدائية الصوت العالي, هو سلوك الحيوانات التي لا تملك عقلاً وتفكيراً مثل الإنسان, فهي تستخدم الزئير والنباح والعواء لتخويف أعدائها, ولا تستخدم لغة الحوار أو تبادل الرأي الذي يقود إلى التطور أو الإصلاح.
وبهذا تكون المرشحة الدكتورة أسيل العوضي مثالية للمجلس القادم, وتستحق أن تمثلنا للمرحلة القادمة.
كما طرحت الدكتورة أسيل قضايا هامة باتت تقلق الشعب الكويتي, بالتأكيد ليس من بينها إسقاط القروض أو تبذير أموال الشعب, أو التحريض على مخالفة القوانين والمطالبة بالاستيلاء على أملاك الدولة, كما يفعل بعض المرشحين من أصحاب الصوت العالي.
القضية الأهم الآن هي فرض هيبة القانون, ومنع وتجريم التعصب القبلي والطائفي على حساب الدولة, ففي السنوات الأخيرة وبسبب تراخي الدولة, سادت ظواهر استمرأت على الدولة واستقوت على القانون في جميع المؤسسات التنفيذية والتشريعية, وحتى في جمعيات النفع العام, ظواهر تفرق بين المناطق والانتماءات, وهي ظواهر من شأنها تمزيق المجتمع الكويتي وتدمره, خاصة مع انتشار السلاح غير المرخص.
والقضية الأخرى هي قضية التعليم وعدم وجود إستراتيجية لتعديل مساره, بعد أن انحرف عن أهدافه السامية, فتحول من وسيلة إلى تطوير حس البحث الحر والاكتشاف وخلق مواطن واع ومثقف, إلى وسيلة لتجهيل الإنسان حتى في دينه, وسيلة لتخريج تربويين ومعلمين ذوي مستوى متدن, يخربون عقول أبنائنا بدلاً من بنيانها, والسبب يعود إلى أن الدولة دعمت وسمحت للإسلاميين أن يديروا حياتنا, نحن الكويتيون الذين اعتدنا التفكير الحر, الذين كانت من سماتنا الانفتاح والتطور, فأصبح التعليم وهو حجر الزاوية في التنمية والتقدم يدمر شخصية أبنائنا, ويخلق مواطناً مريضاً خائفاً من عذاب القبر, كارهاً لنعم الله مثل الموسيقى يعيش في ظلام العصور الوسطى, مشوه المعرفة بالإسلام, سمته الغلو والإرهاب والكراهية للآخر.
كل ما ذكرته يدخل في خانة الثقافة, التي ما زال مفهومها حتى عند التجمعات الوطنية ملتبساً, فيحصر في التجليات الإبداعية الأدبية والفنية, وهي في الواقع سبب كل ما نعانيه من ألم, فالتعصب ثقافة, والتخلف ثقافة, والصوت العالي ثقافة.
نحن مع شعار الأمل, لكن لن يكون هناك أمل دون الاعتماد على الشباب, فهم الأمل الحقيقي, وكما قال الدكتور سليمان الشطي الأمل يحتاج إلى العمل, لا التنظير المجرد, لا يحتاج إلى نرجسية الكبار, لا يحتاج إلى ثقافة المناضل الكبير ذي الخبرة السياسية وبس.