Sunday, November 4, 2007

وفاء لأصحابها



وصلتني مجموعة من رسائل القراء عبر البريد الإلكتروني, وسأنشر بعضها وفاء لأصحابها, والرسالة الأولى هي لمجموعة من الفتيات, يرسلن لي انتقاداتهم لأوضاع البلد ويتحسرن على ضياع الكويت الجميلة, ولكن انتقادهم الذي يرسلونه لمجموعة كبيرة دائماً يكون بطريقة طريفة وساخرة, وبالتقاطات ذكية, وفي هذه الرسالة لم أتصرف كثيراً بها, فيما عدا بعض الأسماء والألفاظ التي ألغيتها فقد تسئ إلى أشخاص, أو قد لا تصلح للنشر, وأنشر هذه الرسالة بناء على إلحاحهن.
شهالديرة
** شهالديرة اللي .. ما فيها أدباء ولا فلاسفة ولا فنانين ولا شعراء ولا فقهاء ولا علماء ولا رياضيين و لا اقتصاديين ولا أوبرا و لا متاحف ولا آثار ولا معارض ....
** شهالديرة اللي .. فيها طيران عمره ما طار بالوقت .... و المضيفين يحتقرون الركاب .... وما تطير طياراتها إلا حق دكا و دكار بومبي وسيلان !!!
** شهالديرة اللي .. محد فيها يحترم قانون المرور ، و السيارة تنساق مثل ما تنساق سيارات التصادم ... كل من يحد كل من .... وكل من يخز كل من .... وكل من يكره كل من .... وكل من يقط زبالته بالشارع .... هذا ينظف طفايته بالشارع وذاك يقط كيس الماكدونلد بالشارع وذاك ينخم بالشارع ... وذاك يطشر قطف زجارته بويه إللي وراه هم بالشارع .... وذاك ياخذ شور بالشارع ..!!! وسلم لي عالأدب !! وتقوله يالحبيب عيب ما يصير !!!! قال لك : كيفي كويتي !!!
** شهالديرة اللي .. اللي فريقها يوصل كأس العالم سنة 1982 و يطلع الأخير بكأس الخليج سنة 2007 !!!! ويفوز بكأس آسيا سنة 1980 ... وما يقدر يوصل نفس الدورة سنة 2007 !!!!!!!
** شهالديرة اللي .. اللاعب فيها لما يسجل هدف ... ربعه اللاعبين يطبون على رئيس النادي و يبوسونه !!!!
** شهالديرة اللي .. إللي ينطق فيها الضابط بلبسه ... و الطبيب بعيادته ... والمدرس بمدرسته ...!!!!
** شهالديرة اللي .. كل شي فيها بالواسطة ... سرير بمستشفى بواسطة ... تعيين بوظيفة بواسطة .... موعد طبيب بواسطة . و الليسن بواسطة ... وأتدخل أعيالك مدرسة خاصة وتدفع فيها دم قلبك بواسطة .... تلعب بالمنتخب !!! هم بواسطة !!!!!!!
** شهالديرة اللي .. أهم اهتمامات الشباب فيها إن يظبط بنات .... حتى لو غصب ... يفتح باب سيارتها غصب .... يرقمها غصب ... يتل حجابها غصب ..... شنو حرب !!!
** شهالديرة اللي .. البنات المتحجبات يحطون قوطي نيدو تحت حجاباتهم ويقولون .... ستايل !!!!
** شهالديرة اللي .. إللي الريال يطلع مع زوجته وكل الشباب يخزونها بلا حيا ولا مستحى ...!!! والريال فقير مو عارف شسوي !!!!
** شهالديرة اللي .. كل شبابها معضلين !!!!!!!!
** شهالديرة اللي .. فيها الخدامات عندهم موبايل .... !! والسايق موبايل ... والصبي موبايل ....!!! والياهل إللي عمره 3 أيام .... موبايل !!!!
** شهالديرة اللي .. فيها البنغالية أكثر من عدد الشعب !!!!
** شهالديرة اللي .. الشعب صار له 20 سنة يتحلطم على نوعية أعضاء مجلس الأمة !!!! طيب منو انتخبهم ؟؟؟؟؟ سكان الأسكيمو !!!!!!
** شهالديرة اللي .. فيها مذيع الراديو يضغط المتصلين !!!! كله ضغط ضغط ضغط !!! وبعدين .... لو تسأل المذيع وين آيسلندا قالت يم ..... تنزانيا !!!!!!
** شهالديرة اللي .. أشهر مذيع فيها من نوعية : فلان !!! ما يذكركم بلاري كنغ !!!!!
** شهالديرة اللي .. التعليم الحكومي فيها تحت الصفر !! ومدرسة الابتدائي تكتب للتلميذات على اللوحة : أنتي فتات ..... يعني : أنت فتاة !!!!!!!!!!
** شهالديرة اللي .. فيها الأوادم السنعة ضايعة .... وستار أكاديمي يستقبله بالمطار 20 ألف آدمي !!!!!!!!!!
** شهالديرة اللي .. جرايدها تكتب بالبنط العريض : فلان الفلاني صورة مشرفة للشاب الكويتي !!!!!
منو فلان الفلاني ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
** شهالديرة اللي .. الكتاب ينباع فيها بربع دينار ..... ومحد يشتري !!!!!!
** شهالديرة اللي .. كل ما تكلم واحد قال لك : يبيله !!!!! شنو يبيله ؟؟؟؟
** شهالديرة اللي .. كلها صراخ و نجره ولويه وسب و قذف وبوق و حرمنه ورشاوي وشراء أصوات ..... وبعدين يقولون : ديمقراطية !!!!!!!
** شهالديرة اللي .. حطمت الأرقام القياسية بعدد المرضيات و التزرق من الدوام وبعدين يقولون :
زيدوا معاشاتناااااااااااااا !!!!!
** شهالديرة اللي .. فيها كل هالبلاوي و أكثر ويقولون .... الله لا تغير علينا ..!!!!!

* * *
وصلتني هذه الرسالة من الدكتور سمير أرشدي, أستاذ اللغة الفارسية بكلية الآداب في جامعة الكويت:
"سعادة الدكتور الفاضل وليد الرجيب, لقد استمتعت كما المئات من الذين طالعوا المقالين الرائعين حول شيراز وسعدي, وكم أتمنى المزيد من هذا الإثراء الذي ينم عن فهم واسع ونظرة ثاقبة تتمتعون بها, ولقد أرسلت لكم كتابين بعنوان سبع نساء وسبع قصص, ويشمل مجموعة قصص لقاصات إيرانيات معاصرات, صدر مؤخراً عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وكذلك كتاب اصفهان قرنفلة الحضارة الإسلامية, وهو من تأليفي." انتهت الرسالة
وبدوري أشكر الدكتور سمير أرشدي على رأيه وعلى الكتابين اللذين سأسعد بقراءتهما, وسأتعرف على قاصات معاصرات, فلم يتسنى لي التعرف على الأدب الإيراني الحديث.
* * *
وصلتني هذه الرسالة من الفنان التشكيلي حسين مسيب, بعد نشر مقال " حسين مسيب يتذكر" في هذا العمود يقول فيها:
"أشكرك باسمي واسم زملائي الفنانين المنسيين, على ذكرنا واهتمامك بأمور الفن التشكيلي, وكذلك اقتراحك بتقديم جوائز الدولة التقديرية لنا.
الحمد لله وجدنا من يكتب عنا, لكني أتساءل من سيكتب عنك؟" انتهت الرسالة
أقول للأستاذ حسين مسيب ولكل التشكيليين الرواد: لقد قدمتم الكثير لهذا الوطن, وعانيتم الكثير في سبيل ذلك, وهذا أقل واجب تقدمه الدولة لكم.
* * *
"رسالة من صحفي عربي صديق يسأل: هل تحصل على ردود فعل وآراء لمقالاتك؟" انتهى
أجيب: ليس من الأصدقاء والمقربين.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com



دار الأوبرا الكويتية




أنا أحب مباني الأوبرا, وخاصة الكلاسيكية منها أو الأثرية, وعندما أكون بداخلها أشعر برهبة, فالتصميم الداخلي والزخارف الفخمة تشي بالتقدير من الدول لهذا الفن العظيم وتعتني بمسارحه, وتصبح مزاراً للسائحين, وفي العالم هناك دور أوبرا شهيرة مثل "آلا سكالا" في ميلان, "أوبرا باريس", "بولشوي تياتر" في روسيا, "تياتر فينا" في النمسا, "متروبوليتان" في الولايات المتحدة, ومسرح سدني المكشوف في استراليا, وليس لدي علم إن كانت هناك دور أوبرا فخمة في الشرق الأوسط ما عدا أوبرا طهران التي بنيت في عهد الشاه محمد رضا بهلوي, ودار الأوبرا المصرية, وقد كنت محظوظاً بزيارة الدارين.
كنت أقرأ في كتاب جميل عن الأوبرا المصرية وتاريخها, هذا الكتاب وغيره من الكتب تهديها وزارة الثقافة المصرية, ويحوي صوراً تاريخية وحديثة لدار الأوبرا والعروض الأوبرالية التي عرضت بها, واسترجعت معلومات قيمة عن تاريخ الأوبرا المصرية.
ففي العام 1869م قرر الخديوي إسماعيل باشا, بناء دار الأوبرا في القاهرة, وذلك بمناسبة افتتاح قناة السويس, وقد صمم البناء المهندسين العالميين "أفوسكاني" و"روسي", واكتمل البناء بعد (ستة أشهر!!), والمبنى مكون من قاعة تضم 850 مقعداً مقسمة إلى دور أرضي وثلاثة أدوار لوج, ورواق أعلى, وافتتحت الأوبرا في الأول من نوفمبر سنة 1869م بأوبرا "ريجوليتو", وبحضور كل من الإمبراطورة أوجيني والإمبراطور فرانسوا جوزيف إمبراطور النمسا, وبالطبع فرديناند دي لسبس مهندس القناة الفرنسي, وكان من المقرر أن يكون الافتتاح بأوبرا "عايدة" التي كتبها أوغست مارييت والذي منحه الخديوي رتبة الباكوية ثم الباشاوية, ويوجد الآن شارع في القاهرة باسم مارييت باشا, والقصة مستوحاة من التاريخ الفرعوني, ووافق الموسيقار العملاق "فيردي" على تلحينها بعد أشهر من رجاء الخديوي, وواسطات عالمية, على أن يتم العرض الأول لعايدة في افتتاح دار الأوبرا المصرية, وبالفعل أوفى فيردي بشروط العقد وأنهى عايدة في أربعة أشهر, بعد أن طلب مبلغاً ضخماً في ذلك الوقت يبلغ 150 ألف فرنك, لكن بسبب الاحتلال البروسي لفرنسا, احتجزت الديكورات الضخمة وملابس العرض التي صممت في فرنسا, لذا –وهذه معلومة جديدة بالنسبة لي- عرضت عايدة لأول مرة في أوبرا آلا سكالا في ميلانو, وبعد أن هدأت الأمور في فرنسا, عرضت عايدة في الأوبرا المصرية في 24 ديسمبر عام 1871 بدون فيردي الذي رفض دعوة الحضور, فقادها بوتسيني.
وللأسف احترق مبنى الأوبرا عام 1971م, ويقال بسبب تماس كهربي, وفي عام 1983م وخلال زيارة الرئيس حسني مبارك لطوكيو, أعلنت الحكومة اليابانية أنها ستهدي دار أوبرا لمصر بتكلفة رمزية تقدر بثلاثة ملايين دولار أمريكي, وتم الانتهاء من بناء الدار على الطراز الإسلامي الحديث بعد (34 شهراً فقط).
على حد علمي فإن الكويت هذا البلد الذي كان معروفاً باهتمامه بالثقافة, لم يستضف عرضاً أوبرالياً عالمياً على الإطلاق, وأرجو أن أكون مخطئاً, بينما استضافت دبي التنور العالمي "بفاروتي" أكثر من مرة, وكان الإقبال كبيراً, وحدث أن فاتحت الأمين العام عندما بدأنا نخطط لأنشطة مهرجان القرين الثقافي بشأن دعوة فرقة عالمية لإقامة عرض أوبرا في ملعب أحد النوادي الرياضية, ولكنه لم يستحسن الفكرة, وقد لا يعلم البعض أن لدينا مواهب رائعة في الغناء الأوبرالي مثل الفنانة مغنية السبرانو أماني الحجي, والفنان التنور الدكتور محمود الفرج, والتنور أحمد الكندري وغيرهم.
عندما بدأت العمل بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, كان لدينا طموح بعد التحرير لإعادة الاعتبار لمجد الثقافة الكويتية, بمشروعات ثقافية ضخمة, مثل المهرجانات الثقافية وبناء مراكز ثقافية ومطبوعات وفرقة وطنية للموسيقى ثم فرقة للموسيقى الكلاسيكية ومبان متحفية ومكتبات ومسارح, وبالفعل طلب مني الدكتور سليمان العسكري ترشيح مهندس ليعين مديراً لإدارة الهندسة وليشرف على أعمال البناء والترميم والصيانة, كان المنصب مهماً وحساساً ولذا يجب أن يكون الشخص نزيهاً مخلصاً لعمله ووطنه, ولا يؤسس شركة مثلاً ويستنفع من مواد البناء أو الكهرباء أو الصيانة وغيرها, ولذا اقترحت أسم الأخ على اليوحه الذي كان يعمل مراقباً في البلدية, وهو الآن الأمين العام المساعد في المجلس, وهذا ما تم وعملنا بجهد حثيث لتصميم مبنى الأوبرا الكويتية, أو مسرح الدولة الكبير الذي يحوي مسرحاً كبيراً يضم 1200 مقعداً مجهزاً بكل الإمكانات والأجهزة الحديثة, ومسرح أصغر يضم 750 مقعداً, وقاعات عرض للفنون التشكيلية, وقاعات محاضرات وندوات, ومكتبة فنية سمعية بصرية, ومتحفاً فنياً, وكافتيريات ومطاعم ومحلات لبيع التذكارات, إضافة إلى إمكانية العرض في الهواء الطلق, واستغرق الأمر سنوات مع المكاتب الاستشارية والهندسية, وكذلك مع البلدية لتخصيص أرض مناسبة, كان يجب أن تكون في منطقة شرق أمام شاطئ البحر, ثم وافقت البلدية أخيراً على موقع في جنوب مشرف مقابل الأرض الدولية للمعارض.
وفي أثناء التحضير للاحتفال بالكويت عاصمة للثقافة العربية عام 2001م, قمنا الدكتور محمد الرميحي وأنا بعرض مشروع دار الأوبرا ومخططاتها التفصيلية على اجتماع وزراء الثقافة العرب, وعلى فعاليات ثقافية عربية وعالمية مختلفة, وأبدى الجميع إعجاباً كبيراً به, وأذكر عندما قال الأديب الفلسطيني والمسئول في وزارة الثقافة الفلسطينية الأستاذ يحيى يخلف بما معناه: أنه ليس غريباً على الكويت التي تعلمنا وتثقفنا على مطبوعاتها ونشاطاتها الثقافية, أن تقدم للعرب هذا الإنجاز الضخم, فهي دائماً تسبق دولنا وحكوماتنا بخطوة.
ولأهمية المشروع كان الأمين العام يفكر بإنشاء إدارة متخصصة لدار الأوبرا, بعيداً عن إدارة المسرح والإدارات الأخرى, وفكرنا بأسماء ثقافية وفنية لاختيار المدير, بينما كنت في قرار نفسي أتمنى أن أكون مديراً للأوبرا, وأتخلى عن إدارة الثقافة والفنون.
وكان من المفترض أن يوضع حجر الأساس للمبنى أثناء الاحتفال عام 2001م, لكن لا أعلم ماذا حل بهذا الحلم, وكم من الأحلام أجهضت, فمبنى الأوبرا الخديوية أنجز في ستة أشهر, ومبنى الأوبرا المصرية الحديث أنجز في 34 شهراً, والآن بعد سبع سنوات على وعدنا لشعبنا وللعرب, لماذا لم نسمع أي ذكر للمشروع؟!
وهل سترى الأوبرا الكويتية النور في يوم ما في حياتنا هذه؟ هل سيتحقق الحلم؟ أم سيكون حظ الأبناء والأحفاد أوفر؟

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

عبدالله زكريا الأنصاري والجائزة




صادفت قبل أيام ذكرى وفاة الأديب الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري, هذا الرجل الذي قدم خدمات جليلة للثقافة والأدب, كما كانت لديه مواقف وطنية واضحة.
كنت قد قرأت مقالة الدكتورة سهام الفريح ورد الدكتور خليفة الوقيان في جريدة القبس, وبما أن أسمي قد ورد كاستشهاد في مقالة الوقيان, حول منح الأستاذ عبدالله زكريا جائزة الدولة التقديرية, فيهمني جداً ذكر الحقائق التاريخية غير الموثقة, والتي تحدث في سياق حياتنا, وأرجو أن تسعفني الذاكرة, إذ حدث الكثير منذ خروجي من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في سبتمبر 2001م, وليس لدي وثائق أرتكن إليها.
كانت جوائز الدولة بنداً رئيسياً في وثائق تأسيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, ولكن المجلس لم يستطع تنفيذ كل ما ورد في هذه الوثائق أحياناً لأسباب تتعلق بالموازنة المخصصة للمجلس, وأحياناً لأسباب فنية, وأحياناً بسبب مسئولين لا يكترثون للثقافة, حتى عين الدكتور سليمان العسكري أميناً عاماً للمجلس وكنت وقتها مديراً لإدارة الثقافة والفنون.
كان الدكتور سليمان جاداً في اهتمامه في الثقافة ومنحازاً للثقافة المستنيرة الراقية, وسعى لتفعيل جوائز الدولة, ولكن ما حدث هو أن الوزير في ذلك الوقت استطاع أن يحصل على موازنة خاصة بجائزة الدولة التشجيعية والتي كانت تمنح لعمل إبداعي واحد, ولم يستطع الحصول على موازنة خاصة بالجائزة التقديرية, لأن مبالغ الجوائز كانت ضخمة, وتم تشكيل لجنة عليا من خيرة الشخصيات الكويتية, وكلف النحات الفنان سامي محمد بتصميم مجسم الجائزة, والذي أيضاً صمم مجسم الجائزة التقديرية لاحقاً.
وتأخرت التقديرية, وأثناءها توفي عدد من المرشحين لها مثل الأستاذ حمد الرجيب, وعبد الرزاق البصير وآخرون, وكان الأستاذ عبد الله زكريا الأنصاري من هؤلاء المرشحين الأوائل, وكان الدكتور خليفة الوقيان هو من اقترح اسمه, حتى قبل أن تقر الجائزة بشكل نهائي كما أسلفت, وقتها كان الوقيان مستشاراً بالمجلس لشئون الثقافة, وقد أخبرني الدكتور خليفة أنه والمرحوم الشاعر الدكتور عبد الله العتيبي كانا من ضمن لجنة وضع أسس الجائزة في بدايات تأسيس المجلس الوطني في السبعينيات, وكانت الأسماء المقترحة للجائزة تضم عبدالله زكريا وحمد الرجيب وعبدالرزاق البصير وفهد الدويري.
ولكن بعد أن أصبح الدكتور محمد الرميحي وهو المثقف والمفكر المرموق, أميناً عاماً للمجلس الوطني, أكمل مساعي سلفه في إقرار موازنة خاصة بالجائزة التقديرية, وشكل لجنة عليا كنت عضواً ومقرراً فيها, وهي اللجنة التي أقرت شروط الجائزة والمرشحين المحتملين, وأيضاً جاء إصرار وحرص الوقيان على عدم نسيان عبدالله زكريا, وكان أول المرشحين لها, جاء ذلك في مذكرة رفعها الوقيان إلى الدكتور الرميحي بتاريخ 23 يناير 1999م, وكانت استجابة اللجنة العليا فورية, وشعرنا جميعاً بالامتنان, فلا نريد أن نفقد علماً آخر من أعلام الثقافة والأدب والسبب بيروقراطي بحت.
عبدالله زكريا الأنصاري كان قمة في التواضع والتعفف عن التكريم والشهرة, فعندما اختارته اللجنة العليا لجائزة الدولة لمنحه جائزة الدولة التقديرية, كلفت شخصياً بتبليغه القرار, ورغم محاولاتي الحثيثة لإقناعه, إلا أنه أصر على الرفض, كان يقول رحمه الله: أنا لم أفعل شيئاً لأستحق جائزة عليه, واستمرت محاولاتي, كان يرفض حتى التفكير بالموضوع, بيد أنه كان ممتناً لتفكيرنا واهتمامنا به, كان يقول:
-هذا هو التقدير الذي أريد, ويكفيني ذلك.
من يستطيع أن يصل إلى كل ذاك التواضع/العملقة؟ هذا النبل الجميل, كل الأدباء والفنانين تغريهم جوائز التكريم من دولهم, فهذا الاعتراف يحيي بهم الأمل بأنهم لم ينسوا, وبأن عطاءهم لم يكن هباءً, صحيح أنه رمزي ولكنه تقدير, بيد أن عبدالله زكريا سبقنا جميعاً إلى ماهية التقدير الحقيقي, وعلمنا وأخجلنا.
-هذا هو التقدير الذي أريد.
فاستعنت مشتكياً بالدكتور خليفة الوقيان قبل أن أبلغ الأمين العام ومن ثم اللجنة العليا بقرار الأنصاري وقلت له:
-للأسف رفض الأستاذ عبد الله الجائزة يا دكتور خليفة.
فرد بوغسان:
-نعم هذا هو عبدالله زكريا,.. للأسف.
لكن ألمي أنا من فقد عمالقة دون أن تكرمهم الدولة, جعلني أستميت:
-ما الحل أبو غسان؟ ألا تستطيع من جانبك أن..
أجاب د. خليفة:
-كرر محاولاتك, وسأرى ما يمكن فعله, سأحاول إقناعه.
لكن بالطبع لم يمنح عبدالله زكريا الجائزة حتى خروجي من المجلس عام 2001, كنت أحمل ندمي على رفضه الجائزة حتى بعد تقاعدي بسنوات, فقد كنت أزوره رحمه الله بمكتبه في الطابق الأرضي من منزله, والذي كان يحوي آلافا من الكتب, سمعت من أحدهم ولا أدري ما صحة ذلك, أن المكتبة كانت لسنوات في الطابق العلوي, ولأنها كانت تزداد باستمرار, بدأ ثقلها يشكل خطر انهيار الطابق, فقرر نقلها إلى الطابق الأرضي.
لم أستطع مجاراته بالمتابعة وهو الذي كان يكبرني بسنوات كثيرة, فعندما كان يسألني:
-هل قرأت هذه المقالة, في هذه الجريدة أو المجلة العربية؟
أجيب بخجل:
-لا والله.
وفي كل زيارة له, كان يكرر علي:
-تألمت جداً لاستقالتك من المجلس, لماذا استقلت؟!
أجيب عليه:
-لماذا رفضت أنت جائزة الدولة التقديرية؟
كان يبتسم بخجل, ثم يغير الموضوع إلى آخر سياسي أو ثقافي أو حتى شخصي, الغريب أنه كان يود أن يسمع مني أكثر مما يتكلم, فعندما كان يحكي عن خبرات حياته, كنت أنشد بكلي له, ثم يتوقف فجأة قائلاً:
-غير مهم, قل لي أنت, دعني أسمع منك حول..
كان متواضعاً جميلاً.
انقطعت عنه فترة, ثم فوجئت به يتصل على هاتفي النقال:
-أينك؟ أنا في رابطة الأدباء, سألت عنك فقالوا أنك منقطع عن الرابطة.
كنت خجلاً وخاصة عندما أكمل:
-ومنقطع عني أيضاً.
فوعدته:
-غداً في العاشرة صباحاً أزورك.
كيف كان هذا القلب الذي أتعبته السنين أن يحمل كل هذا التواضع والنبل؟! وهل يوجد مثيل له؟!
أيقنت أن الأديب لن يصبح عملاقاً خالداً في الأذهان, إن لم يكن يتحلى بثلاث صفات رئيسية, الصدق والتواضع وحب الوطن, أما المتسلقون والأدعياء فسرعان ما يتلاشى ذكرهم.
والآن, لم يزل لدينا عمالقة يستحقون التكريم, ولم تزل هذه الأرض حبلى بأجيال قادمة, وعلينا أن نقدرهم في حياتهم, لا أن نرثيهم بعد مماتهم.

* * *

سعيد بأنني كتبت عن ذكرياتي مع الأستاذ عبدالله زكريا, لأنه كان يريد هكذا تقدير, وكنت قد فهمت من بعض الأخوة أن هناك ملاحظة من البعض حول كتابتي, وهي أني أكتب عن خبراتي الشخصية وعلاقاتي, وهو أمر لا يخص الناس, بالطبع لا ألومهم لأنهم غير متابعين لكتاب الأعمدة في العالم, الذين يسمون كتاباتهم قصص stories, فهم لا يعنون بالتنظير كثيراً, ولكنهم يوثقون بشكل بسيط ومحبب لخبراتهم القريبة والبعيدة, وهو ما يسمى "بالسوسيوثقافي" Sociocultural, الذي يمس القضايا, سياسية واجتماعية وثقافية بطرق غير مباشرة, ولذا يجب توثيق الحكايات التي تعني شأناً عاماً بشكل أو بآخر.


osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

صباح الخير يا سعدي






يقول سعدي الشيرازي:
لم أر أحداً سلك طريق الصواب فضاع

في ملتقى سعدي الشيرازي الذي أقيم في طهران وشيراز أوائل شهر يوليو 2000م، بالتعاون بين مؤسسة عبدالعزيز البابطين و رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في إيران، تشكلت حالة حماس بين المفكرين والشعراء عرباً و إيرانيين لإقامة مؤسسات مشتركة عربية إيرانية، منهم من طرح مشروع جمعية صداقة إيرانية عربية، و منهم من طرح مشروع أمانة عامة لإتحاد كتاب عرب و إيرانيين، ولكن للأسف فإن جميع تلك المشروعات انطلقت من إطار إسلامي فقط، أو ثقافة إسلامية مشتركة.
ليس لدينا أدنى شك في ضرورة وجود حوار ثقافي و انفتاح ثقافي لأننا نتحدث عن ثقافتين مختلفتين، بيد أن الانطلاق من الإسلام غير مجد في هذه الحالة، حيث أن الثقافة الإسلامية واحدة في جميع الدول الإسلامية هندية كانت أو إيرانية أو أفريقية أو أوربية، مع تفصيلات جزئية متأثرة بالتراث القومي لكل بلد، لذا فنحن لا نحتاج إلى الانطلاق من الاتفاق بل نحتاج أن نبدأ بالاختلاف و من الخصوصية التي تميز كل ثقافة على حدة.
ومن ناحية أخرى فإن الرؤية الإسلامية للثقافة تختلف من بلد إسلامي إلى آخر، فهناك توجه إسلامي يحارب الثقافة والانفتاح في بعض البلدان ويعتبرها شيء مناقض للدين، بل أن بعض البلدان تمنع تعليم وعمل النساء.
كما انه في هذا المجال الإسلامي, لا يمكن قصر الحوار الثقافي بين العرب والإيرانيين ضمن فقط, إذ أن هناك ديانات أخرى و قوميات مختلفة تعيش في هذه البلدان، ورغم أن الإسلام قد صنع خطوطاً مشتركة بينها إلا إنه لم يلغ خصوصيات وثقافة كل قومية والتي تعتبر أسبق من ثقافتها بعد الإسلام.
فالحديث عن الثقافة الإسلامية شيء، والحديث عن الثقافات القومية في ظل الإسلام شيء ثان، أما الحديث عن التراث الثقافي القومي فأمر ثالث، قد تتقاطع، ولكنها بالتأكيد ليست الشيء ذاته.
إن مركز الحوار المطلوب يجب أن تكون مهمته دراسة الأفكار ومناقشتها والاستفادة من اختلاف البيئة الفكرية والموروث الثقافي لكل قومية، فالثقافة المشتركة كما هو معروف لا ترتكز على عنصر واحد مثل الدين أو اللغة, ففي مصر مثلاً, تتعدد الثقافات رغم أن الدين واحد, وفي العراق مثلاً, تتعدد القوميات المشتركة بثقافة معينة.
أما منطلق المفردات اللغوية المشتركة وبالأخص العربية في اللغة الفارسية فهو أمر طبيعي ويعني فقط أن اللغة كالكائن الحي قابل للتطور والنمو، وبالفعل أثر الإسلام تأثيراً بالغاً في اللغة الفارسية، ولكن قبل ذلك تأثرت اللغة العربية بمفردات فارسية وهندية ولاتينية حتى قبل الإسلام، وما تزال تتأثر حتى الآن، بل أن هناك مفردات فارسية في اللغات الهندية بسبب الاحتلال الفارسي للهند.
في فترة ما بعد الإسلام تطورت الثقافة العربية لأنها احتكت بجميع الحضارات بما فيها الفارسية، وتطورت الثقافة الفارسية لأنها تلاقحت مع حضارات أخرى بما فيها العربية وكانت اللغة عنصراً وأداة في هذا التطور.
لقد تراكمت أفكار ومؤلفات أدبية وفكرية عديدة لدى العرب والفرس في فترات الانقطاع والانفصال كدول، فلا تجد ترجمات فارسية للأدب العربي الحديث في مكتبات إيران, ولا تجد في المكتبات العربية غير الشهنامة للفردوسي و دواوين حافظ وسعدي، بل أن أحدث ترجمات عربية للفارسية هي لكتاب رحلوا منذ عقود, مثل "صادق هدايت" و "صمد بهرنجي" و "بروين إعتصامي"، وغالباً ما تكون تلك دراسات أكاديمية, بينما يترجم الطرفان آداباً غربية باستمرار.
لا أحد ينكر تطور الشعر العربي باحتكاكه بالبيئة الفارسية أو الأسبانية، ولا تطور الشعر الفارسي باحتكاكه بالبيئة و الفكر العربيين، ففي فترات الانفتاح الإسلامي على الثقافات المختلفة أخذ العرب والفرس محاسن بعضهم، و في فترات الانغلاق والتعصب فقدوا حتى محاسنهم الخاصة بهم، وبهذا المعنى يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
" إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه".
نحن قريبان جغرافياً, وبعيدان في خصوصياتنا الثقافية, والثقافة هي الجسور والنوافذ التي نطل منها على أفكار ومشاعر وإبداع الشعوب الأخرى, وما نريده حقاً من العلاقات الثقافية مع إيران, هو التعرف بشكل أقرب على الثقافة والآدب والفنون الإيرانية.
نحن نعرف عن الأدب في أوربا وأمريكا وروسيا, أكثر مما نعرف عن الأدب الفارسي والإيراني, نحتاج إلى ثقافة التسامح والاختلاف, نحتاج إلى توسيع آفاق تفكيرنا.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

صباح الخير يا شيراز




في مدينة شيراز يستولي عليك إحساس بأنك في مكان خلق للشعر والشعراء فقط, فكل ما تراه أو تلمسه أو تشمه لا بد وأن يكون قد مر عليك في الكتب القديمة, وبالأخص في شعر سعدي وحافظ من وصف استثنائي و فريد من نوعه للحياة وتفصيلاتها المدركة والمتخيلة.
فقد امتزج الجمال والحكمة الفارسيين بشعرية العرب ونظام قوافيهم وعروضهم, فتشكل شعر فذ بلغ قمته بدءً من القرنين الثالث والرابع, يتراءى لسامعه بعد نوراني للحياة, وعمق أخاذ لمعانيه, إذ لا عجب أن يكون في كل بيت من بيوت الإيرانيين ديوان لحافظ الشيرازي, حتى في القرى الفقيرة الأمية البعيدة عن المدن.
أبرز ما في شيراز - التي كانت تسمى عبر التاريخ بدار العلم - من معالم تاريخية, "بارس بولس", Pars poles الذي يضم "تخت جمشيد", وهو أحد شواهد الحضارة الفارسية قبل 2500 سنة, والأهم من ذلك أضرحة الشعراء المحاطة بهالة عظيمة من الاحترام والتبجيل, وقد يكون ضريحا سعدي وحافظ من أكبرها وأضخمها, إلا أن هناك العديد من الأضرحة المميزة لشعراء آخرين أكثر حداثة.
هل يحلم شعراؤنا بأن تكون لهم هذه المكانة بعد مماتهم؟ على النقيض تماماً يعيش شعراؤنا في ظل الإهمال ويموتون تعباً وهماً, ويبقون منسيين عبر الزمن, كما ذكرني الأستاذ الشاعر علي السبتي بما حل بخالد الفرج وفهد العسكر.
عندما زرت قبر حافظ ذهلت من عدد الزوار له من مختلف المناطق الإيرانية, يحملون ديوانه ويلمسون قبره بأطراف أصابعهم, وكأنه ولي من أولياء الله الصالحين, يقرءون الفاتحة ثم يفتحون الديوان بعشوائية لتكون الصفحة هي فألهم ويسمون ذلك " فال نامة " , وكانت دهشتي أكبر عندما وقفت عجوز تردد شعره عن ظهر غيب.
وزوار حافظ من مختلف الفئات والأعمار والأجناس, شباب وشابات بأمنيات مختلفة, وعشاق يطلبون منه المساندة كي يتمكنوا من الزواج, أو المعونة على صدود أو هجر الحبيب, وشعراء شباب يستمدون منه الإلهام, وقد اطلعت على صورة فوتوغرافية لشاعر الهند العظيم " طاغور " وهو جالس إلى قبر حافظ قبل أكثر من ستين عاماً.
هذا الاهتمام بالشعراء لدي الإيرانيين والشيرازيين بالأخص شئ فريد من نوعه في العالم, لم أره بهذا البهاء إلا عند الروس تجاه شاعرهم العظيم "بوشكين" ففي جميع مناسبات الإيرانيين وجلساتهم, لابد وأن يتخلل حديثهم أبيات من الشعر, وخاصةً شعر سعدي وحافظ وعمر الخيام, ومرد ذلك إلى تراث تقديس الحكمة والجمال وعناصر الحياة كالخضرة والماء, فطقوس الاحتفال بعيد " النوروز " أو السنة الفارسية التي تبدأ مع بداية الربيع, هي وضع سبعة أواني تحتوي على سبعة أنواع من عناصر الحياة, مثل الأعشاب الخضراء والبيض والسمك, وأواني مليئة بالماء, تسبح بداخلها أوراق الورود, ويقرأ أثناءها شعر حافظ.
ولدهشتي قبل سفري ودعتني سيدة العائلة التي كنت ضيفاً عليها, بصينية عليها إناء ورود تسبح بالماء وخضرة ومصحف, وأشارت لي بأن أقبل المصحف وأمر تحت الصينية التي رفعتها فوق رأسي.
ولكن بالطبع هناك أمر آخر يميز الإيرانيين, فهم أكثر الشعوب إيماناً بالشعر ودلالاته, فهم يعشقون الشعر ولديهم اعتقاد شبه غيبي بالشعراء وخاصة حافظ, فالكلام الحكيم والجملة المؤثرة والأسطورة والمعجزة لها مكانة في وجدان الإيرانيين.
ويطبع في إيران كل عام عشرات الآلف من النسخ لدواوين سعدي وحافظ, وبلغات متعددة, وبأشكال مختلفة, بعضها مزين الحواشي أو برسومات "المنياتور" رائعة الدقة والجمال, والمستوحاة من معاني الأشعار, فلكل قصيدة مشهورة لوحة مشهورة, حتى أصبحت القصائد تعرف من اللوحات, وتبلغ الرسومات في روعتها روعة الكلام, وتبلغ في دقتها أننا يجب أن نستخدم عدسة مكبرة لرؤية التفاصيل أحياناً, فمن المعروف أن رسامي "المنياتور" يستخدمون ريشة بشعرة حصان واحدة أحياناً.
أن هذا التفرد والرقي في الفن والعلم هو نتاج ماضي الخصوصية التراثية الحضارية من ناحية, والانفتاح والاحتكاك بالثقافة العربية من ناحية أخرى, وحرية الفكر والتعبير في ماضي الزمان من نواح أخرى, أن عظمة الثقافة العربية إبان العصور الإسلامية الأولى ترجع إلى كل تلك العوامل, فمتى ما تسيد الحظر والمنع والانغلاق في المجتمعات, بهتت الثقافة وانحسرت الحكمة والمعرفة, ومتى ما وجد الفكر الإنساني آفاقاً رحبة تألق وتطور, وأصبح النتاج المادي والروحي للشعوب أكثر سمواً ورقياً وغنى.
إن ذاكرة الشعوب والأمم على اختلافها وعبر الزمن, تختزن آلاماً من التدمير الذي طال إنسانيتها, نتذكر محاكم التفتيش والمغول وصدام حسين وأسراب الغربان التي تكره الفرح وخضار الأرض والزهور.
وأصبحت المدن الرائقة اليانعة مثل شيراز والكويت, مدناً شائخة غاض الدم عن وجهيهما فشحبتا, لكن قلبيهما ظلا أخضرين كغصن ينتظر المطر بعد طول شح وجفاف, وأصبح المستشرقون يصورون حالة غريبة ومتناقضة, فيرسمون الأهرامات الشامخة وبقربها خيام ممزقة وأطفال حفاة.
إذاً ليس غريباً أن يقوم أحد المتشددين في بداية الثورة الإسلامية في إيران بمحاولة هدم صرح "تخت جمشيد" بالجرافات بحجة أن ذلك ليس من الإسلام, ويقوم المتشددون والمتزمتون بمحاكمة الأدب والفكر, ومحاربة الإنترنت بالسيوف, كما قام صدام حسين والمغول ومحاكم التفتيش بحرق الكتب وتراث الفكر البشري العربي, عبر مراحل تاريخية مشئومة.
لدي مجموعات سعدي وحافظ, وسأقرأ منها الآن.


Osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

الاستثمار الثقافي



كان لقاءً مع الشاعر الأستاذ ورجل الأعمال عبد العزيز البابطين, وذلك في جريدة القبس التي صدرت يوم الثلاثاء 29 مايو 2007م, وفي اللقاء ذكر البابطين أهمية الاستثمار في الثقافة, رغم عدم عائدها المادي.
وفي خبر آخر نشر في مجلة البيان التي تصدرها رابطة الأدباء في الكويت, العدد442 مايو 2007م, مفاده أنه تم إنشاء صندوق لدعم الإبداع الكويتي, بمساهمة من أحد رجال الأعمال الكويتيين.
وبالتأكيد, فإن هذين الخبرين يبعثان على الأمل, ويبشران بتدفق إبداعي, فكثير من الأدباء والمبدعين لديهم كتب ومؤلفات لا يستطيعون تحمل كلفة طباعتها بأنفسهم, ويخجلون عند السؤال: لماذا لا تنشر؟, وخاصة أن النشر باهظ الثمن في الكويت, وقد يكون باهظاً على الاثنين الكاتب والناشر, وهذا ينطبق على المسرح الجاد غير الجماهيري, مثل العرض المسرحي الجميل " غسيل ممنوع من النشر", لفرقة مسرح الخليج العربي, والذي أدهش جمهور المثقفين ومحبي المسرح, ولكنه غير مجز تجارياً, بسبب سيادة مسرح التسطيح والتهريج والتفاهة, التي لا تتناسب وتاريخ المسرح الكويتي العريق.
كنت قد كتبت في جريدة الحياة قبل سنوات, وقبلها بسنوات في جريدة الطليعة, حول صناديق دعم الثقافة, كما طرحتها كمشروع ثقافي في احتفالية الكويت عاصمة للثقافة العربية عام 2001م عندما كنت مديراً لإدارة الثقافة والفنون في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, بحيث يسهم بموازنتها مجموعة من التجار والشركات, ويصب عائد الاستثمار في صالح الثقافة والإبداع, مثل المشروعات الوقفية, التي تمول نفسها بنفسها.
نعم, لا أحد ينكر أهمية المبادرة الفردية, مثل مبادرات الأستاذ عبد العزيز البابطين, والتي يمتد تأثيرها ونورها إلى كل الدول العربية, ودول كثيرة أخرى بالعالم, ويكفي هذا الصرح الرائع " مركز عبد العزيز الباطين للشعر" الذي أسسه, ليكون إحدى المنارات الثقافية في الكويت, وهو إحدى المشروعات التي كان مقرراً وضع حجر الأساس لها في احتفالية الكويت عاصمة للثقافة العربية.
ولا ننكر الدور العربي لجوائز الشاعرة سعاد الصباح, وغيرها من الجوائز, التي تشكل تشجيعاً وتقديراً للإبداع والمبدعين, لكن الجوائز في النهاية لا تحل مشكلة فقر الدعم للمنشورات والمشروعات والنشاطات الثقافية, مثل العروض المسرحية والموسيقية والمعارض التشكيلية, وتكاد تقتصر هذه الأنشطة على المؤسسة الثقافية الرسمية, وفي ظل غياب أجندة ثقافية تنموية للدولة, واستمرار تجاهل أهمية التنمية الثقافية كأساس وشرط أولي لتنمية المجتمع, سينحسر دور المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, بينما كان المؤمل أنه بعد هذه التجربة الثقافية العريقة للكويت, أن يتحول المجلس إلى وزارة ثقافة, بأي صيغة دستورية مناسبة.
كما أسلفت, أنني قد كتبت قبل سنوات, أن الشركات في دول العالم تشترك في صندوق لدعم جانب ثقافي معين, فمثلاً في بريطانيا تشترك مجموعة من الشركات في صندوق لتمويل ودعم فرقة تختص بأعمال شكسبير, وصندوق آخر لبناء صالات عرض ضخمة للفنون التشكيلية, أو توفير ما يلزم الفنان التشكيلي لإبداعه, أو حتى دور عرض مسرحي وسينمائي, ودعم الطباعة والنشر, ومراكز صحية لمعالجة الإدمان.
وتتسابق هذه الشركات بدفع مبالغ أكثر, حتى يوضع أسم التاجر أو الشركة في أعلى اللوحة التي تحمل أسماء الرعاة, وتعرف هذه الشركات أن مساهمتها هذه لها مردود بعيد المدى.
فأولاً: المواطن المتعلم الواعي والمثقف, هو في النهاية مستهلك أفضل, إذا نظر التاجر إلى الانتعاش بنظرة شاملة ومستقبلية للبلد, فالتاجر الحقيقي لا يفكر بنفسه فقط, ولا يتعامل كصاحب دكان, يبيع ويقبض فوراً, ولكنه يفكر بعقلية اقتصادية متطورة, ذات نظرة بعيدة.
ثانياً: هذه المساهمات, ترفع من ثقة المواطن بالشركة والتاجر, فالتاجر المتواصل مع الجماهير عبر ثقافاته واهتماماته, أفضل من التاجر الذي يمتص دماء المواطنين, ولا يعبأ بالوسائل.
ثالثاً: يعلم التاجر الواعي, أن الثقافة تخلد الأسماء, لتظل في ذاكرة تاريخ البلد إلى الأبد, ولنلاحظ أن تجار الكويت كان لهم دور تاريخي في الكويت, في نهضته وتطوره, سواء من الناحية السياسية, مثل المرحوم عبد العزيز الصقر, أو من الناحية التعليمية والثقافية مثل الشيخ يوسف بن عيسى القناعي, وخالد الفرج وغيرهم, ولذا بقي هؤلاء في أذهان وضمائر الكويتيين.
ومن المؤسسات المتقدمة في الكويت, مؤسسة الكويت للتقدم العلمي, التي ما زال على رأسها, الدكتور على الشملان الذي استطاع أن يصل بها إلى مستويات مرموقة ومشرفة, وأظن أن على هذه المؤسسة أن تفكر جدياً بمشروع صندوق دعم الثقافة, وليس تقديم المساعدات فقط, ولا أقصد هنا إقامة أنشطة ثقافية, إذ أن أي صندوق من هذا النوع يجب أن يدار باتجاهين, ثقافي وتجاري, ويمكن إنشاء شركة متخصصة لذلك.
إذا قد تكون المبادرة الفردية المشكورة غير ذات جدوى على مستوى الثقافة والإبداع في الكويت بشكل عام, إذ قد تضعف ومن الممكن أن تتلاشى مع ذهاب الشخص المهتم, لكن المؤسسة يمكن لها الاستمرار والتطور, ويمكن جمع المبادرات الفرية المتناثرة في صندوق أو شركة واحدة, وتشكل لها إدارة ذات نظرة تنموية ثقافية, تضع أسس الاستثمار الثقافي, وأوجه الإنفاق.
في ظني أن الاستثمار الثقافي هو الاستثمار الحقيقي, بدءً من التعليم وانتهاءً بدعم مبدع شاب.

استنارة الشيخ يوسف بن عيسى القناعي





كنت في حديث مع الصديق الدكتور شملان العيسى, شفاه الله وعافاه, حيث يتلقى في هذه اللحظات علاجاً في مدينة "كليفلاند" بالولايات المتحدة الأمريكية, كان حديثنا عن والده المرحوم الشيخ يوسف بن عيسى القناعي.
قال الدكتور شملان: طالما تساءلت عن أسباب انفتاح وتسامح وتطور عقلية الشيخ يوسف, هل هي طبيعة عائلة القناعات, أم التنشئة, أم إطلاعه وثقافته الواسعة؟
كان رأيي حينها, أن هناك عوامل متعددة, منها ذاتي ومنها موضوعي, ولا أظن إطلاقاً أن السبب الحاسم هو طبيعة عائلة القناعات, ففي الكويت هناك عائلات ذات طبيعة انفتاحية أو ثقافية أو فنية ولكن ليس بالمطلق, مع كل التقدير والاحترام, وكثيراً ما نرى أن الآباء والأجداد يكونون أحياناً أكثر تقدماً وانفتاحاً من أبنائهم, وازداد هذا الأمر وضوحاً في سنوات المؤامرة على التنوير والثقافة والتحضر.
نذكر جميعاً, أن أبناء أحد رواد فن النحت الرائعين حطموا منحوتاته وتماثيله التي رفعت رأس الكويت, ووضعتها في مصاف العالم المتقدم في هذا المجال, وهنا لا نقصد انتقاد هذه الحالة باعتبارها فردية وخاصة, ولكنها حالة موجودة تكررت بشكل واضح في السنوات الأخيرة, فإتلاف شعر فهد العسكر أو تبرؤ أهل شاعر آخر منه, أمثلة تاريخية واضحة.
يذكر الدكتور خليفة الوقيان في كتابه القيم "الثقافة في الكويت/بواكير واتجاهات", أن من عوامل الاهتمام المبكر بالثقافة في الكويت, هي طبيعة السكان, وطبيعة الموقع, وطبيعة النظام السياسي, والمؤثرات الخارجية.
ومن يعتقد أن هذا الرأي هو رأي شخصاني, أو موقف فكري محدد لبعض مثقفي الكويت, فليراجع كتابات الرحالة الأجانب وانطباعاتهم عن الكويت وأهلها منذ قرون, ولا حاجة لنا لذكر أن موقع الكويت عبر تاريخ كل الحضارات كان محطة للتجارة والترانزيت, (ويقول الكولونيل "لويس بيلي" الذي زار الكويت في العام 1863م والعام 1865م, واصفاً التاجر الكويتي يوسف البدر ومجلسه:"مكنتني إقامتي في الكويت من رؤية الداخل, والحياة اليومية في بيت شيخ عربي, ولا أعتقد أن هناك جنتلمان إنكليزياً يمكن أن يكون ودوداً ومضيافاً مثل يوسف البدر", ومع أن الشيخ يوسف متشدد جداً في أمور الدين فقد سمح لنفسه بأن يقرأ عن الديانات الأخرى") انتهى المقتطف من كتاب الدكتور الوقيان.
إن التحضر والانفتاح والتسامح هي سمات للكويتيين, إذ يذكر للشيخ يوسف بن عيسى القناعي تسامحه الكبير مع الديانات الأخرى, رغم أنه كان رجل دين وقاض, فعندما بدأت المرحلة الثانية من تهجير اليهود الكويتيين في أربعينيات القرن الماضي, كان هناك كنيس لليهود في منطقة شرق, في مكان سوق الكويت الآن, وقبل أن تغادر الأسر اليهودية سلموا مفتاح الكنيس للشيخ يوسف بن عيسى على أمل عودتهم إلى وطنهم الكويت ثانية, في تلك الفترة كان يهود الكويت يتعرضون إلى السخرية والأذى من قبل بعض أهل الكويت وخاصة الأطفال, وازداد هذا الأذى بعد قضية فلسطين وموقف الدول العربية من اليهود, ويقول الدكتور شملان العيسى أن والده كان ينهرهم ويمنعهم من التعرض لليهود.
كان الشيخ يوسف بن عيسى من أشد المدافعين عن الدين الإسلامي, لكنه في نفس الوقت كان يحمل هم ضرورة التحديث, ولم يجد تناقضاً بين رسالته كقاض ورجل دين وبين مشروعه التنويري, ولم يكن التنوير لديه مفهوماً فلسفياً مجرداً, لكنه كان مشروعاً واقعياً ضرورياً للنهضة والتنمية وتحقيق رسالة الإسلام الدنيوية والدينية, وتعميق لقيم عقلانية في المجتمع, ليس بين النخب المثقفة فقط ولكن لسائر أبناء الشعب الكويتي.
وذلك لا يعني عدم وجود حركة مضادة من اتجاهات لا عقلانية, متعصبة حاربت بشدة وشراسة مشروعه التنويري, فقراءة متأنية في كتابه "المقتطفات", وملاحظاته وتعليقاته على القضايا الفقهية والأدبية, تكشف لنا كيف كرس هذا الرجل حياته من أجل الدفاع عن التحديث والعقلانية, بل بادر لتأسيس أول مدرسة نظامية في العام 1911م, وطالب بإلغاء "الكتاتيب", مما أعطى لمشروعه التنويري قيمة واقعية, ولم يقض حياته بالجدل حول أهمية وضرورة الحداثة, بل بادر إلى ذلك بنضال محسوب, وبرؤية مستقبلية, ولم يلتفت إلى حروب الجهل والغلو ضد التنوير, وفهم أن التنوير ليس نقاشاً فلسفياً فقط, ولكنه مشروع نهضوي عملي.
فعندما تأسست المدرسة الأحمدية باقتراح من مثقفي ووجهاء الكويت, عارض المتزمتون إدخال العلوم العصرية واللغة الإنجليزية في المناهج الدراسية, ولأن السمة الإصلاحية وعدد المستنيرين كانوا أكثر من أصحاب الغلو, تم تنفيذ هذا المشروع على يد الشيخ يوسف بن عيسى وآخرين, ولم يستطع فكر التخلف والغلو أن يوقف عجلة التقدم والتاريخ.
كان الشيخ يوسف يحمل ثقافة دينية, وكان التراث الثقافي الديني لديه متجاوراً مع التحديث, بل ومتفاعلا مع متطلبات العصر, وظل الشيخ يوسف قاضياً ومفتياً بالأمور الشرعية حتى تعب في أواخر أيامه, عندما ظل الناس يزورونه في بيته بأعداد كبيرة للإفتاء أو التقاضي, حتى اضطر ابنه الكاتب الصحفي حسن العيسى إلى تعليق لوحة على الباب مكتوب عليها اعتذار الشيخ عن عدم استقبال طالبي الفتاوى, والأسئلة الشرعية.
صحيح أن التنشئة والثقافة الشخصية تلعب دوراً في الفكر التنويري, لكن البيئة الاجتماعية الكويتية وقيمها الفكرية الراسخة لعبت دوراً في عقلية الشيخ يوسف المنفتحة والمستنيرة, وكما قلنا سابقاً فهناك الكثير من الأمثلة على أبناء لمفكرين وأدباء وفنانين, لم يرثوا بالضرورة هذا الانفتاح والاستنارة.
وينطبق هذا الأمر على الزمان والمكان, فرغم وضوح الفكر التنويري في بدايات القرن الماضي, إلا أن ذلك لا يعني أن الزمن قضي على اللا عقلانية المتعصبة والغلو وضيق الأفق التي تحاول العودة بالمجتمع إلى أزمان الانغلاق.
فهل ستشهد السنوات القادمة عودة للانفتاح والتسامح والاستنارة؟ لا نشك بذلك إطلاقاً.
osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com