Sunday, April 27, 2008

سنة التطور




عندما تكونت البشرية على الأرض, كانت على شكل جماعات تتحرك وتعتاش مع بعض, ثم اتسعت لتصبح قبائلا, وهذا ينطبق على كل البشر بدون استثناء سواء القبائل العربية أم في الصين واليابان وأستراليا, أم في أوربا مثل القبائل الجرمانية الهمجية في شمال أوربا, وقبائل الغال في فرنسا, وقبائل الأنجلو ساكسون, وقبائل ايرلندا, وقبائل المغول في الصين, وهكذا في كل بقعة على الأرض.
بعض القبائل تحولت إلى شعوب وتحضرت إلى إمبراطوريات وممالك, مثل الحضارة الفرعونية والرومانية والفارسية وحضارات ما بين النهرين وحضارة الصين وغيرها من الحضارات التي حاولت إخضاع القبائل البدائية لقوانينها الحضارية, وكانت هذه القبائل تقاتل هذه الإمبراطوريات دفاعاً عن عصبيتها القبلية وقوانين القبيلة, وكانت تتقاتل مع بعضها دفاعاً عن مواقعها أو لسرقة ما لدى القبيلة الأخرى ببدائية وهمجية.
وبعد انهيار الدولة الرومانية وانسحابها من الجزيرة البريطانية, بعد انتشار المسيحية, اجتمعت القبائل واختارت ملكاً, وتحولت بريطانيا إلى ممالك ثم إلى مملكة واحدة, لكن ظلت القبائل الايرلندية على حالها وتخلفها عن التطور, فدارت الحروب لسنوات طويلة لإخضاعها إلى قوانين المملكة.
وكذلك القبائل المغولية بعد أن دخلت الإسلام انتهت القبيلة وحكمت الهند كدولة متمدنة, وأيضاً القبائل التركية التي انتقلت من آسيا الوسطى إلى تركيا الحالية, وكونت الدولة العثمانية وذابت القبيلة بالشعب, وكذلك القبائل العربية اندمجت مع الفرس والهنود وغيرهم في دولة حديثة هي الدولة الإسلامية, تحكمها قوانين الدولة المدنية, وتقول الآية "إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله أتقاكم", ورغم أن أفراد الدولة يعرفون أصولهم إلا أنهم يخضعون لقوانين الدولة الكبيرة التي تضمهم مع القبائل والقوميات الأخرى, وتغيرت سمة البداوة إلى سمة التحضر, مثل ذاك الأعرابي ويقال أنه علي بن الجهم الذي مدح أحد الخلفاء العباسيين ويقال أنه المتوكل بقوله:
أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراعك للخطوب
وبعد تركه لأشهر يعيش في بغداد بين الخضرة والماء والمباني الجميلة, استدعاه الخليفة وطلب منه أن يقول شعراً فقال:
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فقد كان خشناً بدوياً عندما أتي من الصحراء, وكانت أوصافه بدائيةً, ولكن بعد أن عاش في المدينة تحول شعره إلى شعر جميل وكلماته أصبحت رقيقة, وانتهت بدائيته.
كما أن القبائل العربية التي عاشت في أرض فارس وعلى شط العرب مثل قبيلة بني تميم, قد أسست مدناً حديثة مثل مدينة عبادان وغيرها, وتزاوجوا واختلطوا مع الفرس, رغم أن آية قرآنية كانت قد نزلت في بدائيتم وفظاظتهم, عندما خاطبوا الرسول بأصوات عالية من خلف الباب.
فالإسلام جاء ليخلص العرب والناس أجمع من البداوة وسلوك وفكر البداوة, مثل العصبية القبلية, مثل وأد البنات, والغزو والقتل والسلب والنهب, جاء ليهذب سلوكهم وينشر مكارم الأخلاق, ويندمجوا ضمن نسيج الدولة وتحت مظلة قوانينها.
بالطبع هناك قبائل ظلت حتى القرون المتأخرة, تعيش في جماعات بدائية مثل القبائل في المناطق المكتشفة في القارتين الأمريكيتين, مثل الهنود الحمر وقبائل الأزتك في أمريكا الجنوبية, والقبائل البدائية في أستراليا وفي بعض مناطق جنوب آسيا, لكن كل هذه القبائل تحضرت واندمجت مع الشعوب الوافدة, وأصبح أفرادها مواطنين ينطبق القانون على الجميع.
ما الداعي لكتابة مقالة في تاريخ الشعوب؟! لا أدري, ربما يكون الخبر المنشور في صحف الثلاثاء 22 ابريل الجاري عن الأب وأبنائه الذين ضربوا مدرساً "بالعجرات", وهو يرقد الآن بالعناية المركزة, وقد يكون منظر رجل القانون وهو ممسك بتلابيبه من بعض الأفراد, أو أخبار التحريض على خرق القانون, وقد يكون حبي وغيرتي على وطني الكويت.


Sunday, April 20, 2008

أسلمة العلوم




كلما قدمت محاضرة سواء داخل الكويت أو خارجها, عن علم العلاج بالطاقة أو علم العلاج بالأفكار, أو أي علم آخر حول التنمية الذاتية أو حتى علم النفس, لا بد وأن يظهر لي أحد من بين الجمهور ليقول لي:"هذه بضاعتنا ردت إلينا", وأساساً كان هذا العلم في الإسلام ثم أخذه الغرب.
فعندما انتشر في التسعينيات من القرن الماضي المنهج الياباني في العلاج بالطاقة "ريكي", قالوا أن هذه الكلمة مأخوذة من "الرقية", وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرقي أصحابه, واليابانيون اكتشفوا ذلك لاحقاً, وعندما تحدثت بتلفزيون الوطن قبل ثلاثة أسابيع عن العلاج بالأفكار أو Noesitherapy ونشرت مقالة بذلك في موقعي الإلكتروني, وكيف أن العالم الياباني إيموتو اكتشف أن الماء يتأثر بأفكارنا ومشاعرنا الإيجابية أو السلبية, ويتأثر كذلك بالموسيقى, كتبت إحدى المواقع الإسلامية أن إيموتو أخضع ماء زمزم لنفس التجربة وشاهد كريستالة جميلة, ثم قرأ إيموتو البسملة على الماء, فأصبحت الكريستالة رائعة!!
الآن لنبدأ بالريكي, الريكي كلمة يابانية مكونة من مقطعين "ري" وتعني الكون "وكي" وتعني الطاقة, ويقابلها "تشي" باللغة الصينية, واللغتان اليابانية والصينية قديمتان جداً, إذا ريكي لا تعني رقية كما يدعون, كما أن الطاقة موجودة منذ الأزل أي قبل أن يخلق الإنسان, فما دام هناك في الكون مادة وحركة إذا هناك طاقة, في كل شئ كان صغيراً أم كبيراً إلكترونات تتحرك وحركتها تنتج طاقة, مما يعني أن الكون عبارة عن طاقة, إذا الطاقة أيضاً سمة بشرية وليست إسلامية, أي يستطيع استخدامها المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي والملحد, أما القول أن الرسول كان يرقي أصحابة فهذا صحيح لأن الأنبياء والصالحين أفكارهم ومشاعرهم ونواياهم إيجابية, وهذا ما يتطلبه العلاج بالطاقة, فإذا كانت نية الإنسان البوذي إيجابية يستطيع استخدامها, فالله هو من خلق الإنسان والإسلام لم يخلق الإنسان, الطاقة كانت قبل الأديان والإنسان.
أما عن العالم إيموتو وكيف قرأ البسملة على ماء زمزم, فهذا إدعاء غير صحيح مع الاحترام لقائله, فقد بدأ إيموتو تجاربه بتأثير موسيقى بتهوفن وموزارت ودفوراك على الماء, ووجد أن كريستال الماء يصبح جميلاً, وعندما عرضه على موسيقى الروك المزعجة heavy metal أصبح الكريستال بشعاً, ولأن الموسيقى عبارة عن أفكار ومشاعر فكر إيموتو أن يعرض الماء لأفكار ومشاعر البشر, فأخذ ماءً آسناً وجعل "كاهناً بوذياً" يقرأ عليه من كتابهم المقدس, فأصبح الماء نقياً وكريستاله جميلاً, فاستمر بتجاربه التي يعرفها العالم أجمع كثورة في العلم, وجاء بزجاجتين لهما غطاء ووضع بداخلهما رزاً مسلوقاً ثم صب عليهما ماءً وأقفلهما, وكتب على إحداها "أحبك" وعلى الثانية "أكرهك", ولمدة ثلاثين يوماً كان يخاطب الزجاجتين بهاتين الكلمتين, بعد شهر تعفن الرز في الإناء الثاني الذي كتب عليه "أكرهك" بينما لم يحدث شئ للإناء الذي كتب عليه أحبك, وأكد هذا الأمر الجراح الاسباني أنجل سكوديرو, الذي اكتشف في السبعينيات من القرن الماضي وبشكل منفصل عن إيموتو, أن هناك ردة فعل بيولوجية لأفكارنا ومشاعرنا, وهذا ما يسبب المرض والشفاء, وأنا شخصياً تواصلت مع سكوديرو في العام الماضي وتعلمت منه, وأصبحت أول معالج بالأفكار في الشرق الأوسط.
ويقول هذا الموقع الإسلامي أنه يرفض الموسيقى فهي منكر, رغم أن تجارب إيموتو بدأت مع الموسيقى, وإيموتو لا يعرف البسملة وقد لا يعرف الإسلام لكنه أصدق من هؤلاء مدعي الإسلام ومشوهي العلم.
وغريب إصرار هؤلاء على نسب كل شئ بما فيها العلوم إلى الإسلام, والدفاع باستماتة وغلو عن الإسلام وكأنه دين ضعيف, وهذا يعكس قلة ثقة في إيمانهم وفي دينهم, وبالمناسبة فالمملكة العربية السعودية حرمت الريكي والتنويم وغيرها من طرق العلاج والتنمية الذاتية, ورغم الأفلام المنتشرة في الإنترنت عن تجارب إيموتو وسكوديرو بما فيها تأثير الموسيقى وقراءة الكاهن البوذي, إلا أن هذا الموقع يرفضها ويأخذ ما يريده لمصلحته, لكن كما هي العادة يرفضون العلم والتقدم, ثم يمتطونه لمصالحهم السياسية كما حدث مع أجهزة التكييف "التي تغير هواء ربي" كما كانوا يقولون, وكذلك المحطات الفضائية, والآن جاء دور العلوم والمنجزات الرائعة للبشرية الخلاقة, وهذا تشويه معيب للإسلام وإضعاف له وللمؤمنين به.

Sunday, April 13, 2008

العلم لا يلغي القيم




يعتقد البعض أن العلم سيقفز قفزات كبيرة في السنوات القليلة القادمة, لكن القيم ستتدهور بشكل غير مسبوق, وأنا مع رأي التقدم العلمي القادم بل أروج له, وأبقي عقلي مفتوحاً لكل جديد, ونستطيع أن نلحظ بعض مظاهر التطور في الطب وزراعة الخلايا الجذعية, والعلاج بالأفكار بدنياً ونفسياً وذهنياً, وكذلك بعض مظاهر تطور وسائل الاتصال بسرعة قياسية, وكذلك وسائل المعرفة والحصول على المعلومة بثوان قليلة.
لكني لست مع الرأي الذي يقول أن قيم البشر ستكون بتناسب عكسي مع العلم, فمنذ بدء التاريخ تعززت القيم البشرية المشتركة, كحب السلام والديمقراطية والإخاء بين الشعوب, وازداد الوعي بها ولأهميتها, لكن سلوكنا المتخلف هو ما يدمرها, وإن كان هناك من يريد وئد التحضر فلا يعني ذلك أنه يستطيع, وإن كان هناك شواذ فاقدو للقيم فلا يعني بأن ذلك هو الأصل بل الاستثناء.
فجوهر القيم البشرية هو الحب والتقدير واحترام الاختلاف, والشعور بالحرية الداخلية, والأمان والطمأنينة هي قيم بشرية لا تنتهي بل تتعزز, وقد أريقت من أجل هذه القيم دماء.
القيم هي ثقافة وتعدد, ولذا فهي تراكمية أي تزيد كل يوم ولا تنقص, كما تختلف وتتعدد في المجتمع الواحد, سواء بين الفئات أو بين الأجيال, فقيم أبناءنا قد تختلف عن قيم آبائنا في الشكل, لكنها متفقة معها بالجوهر, كما أن كل شعب يعتز بقيمه ويعتقد أنها الأفضل.
القيم تتطور مع تطور العلم والحياة, لكن ذلك لا يعني أننا لم نرث قيماً سلبية, مثل عدم تقدير المرأة, وحب كسر ومخالفة القوانين, وقيم التعصب القبلي والطائفي, وقيم تقديم العاطفة على العقل, كلها موروثة وقديمة وبالية ومتخلفة.
فقيم تقديم الولاء للقبيلة قبل الدولة واضحة هذه الأيام, لكن في العمق الاجتماعي هناك قيم وطنية عريقة لا تنتهي.
في صراع ديالكتيك القيم ليس مهماً المشهد الحالي, المهم أن الجديد والتقدمي هو الذي ينتصر بالنهاية, وأن القيم تتطور إلى الأمام مع تطور العلم, لا ضده.
القيم نسبية في إيجابياتها أو سلبياتها, ففي المجتمعات المختلفة هناك قيم مختلفة, وفي العصور المختلفة أيضاً تختلف القيم, وما يعتبر جيداً لدينا قد لا يكون كذلك في الغرب أو حتى في دولة عربية أخرى, فلبس البدلة كان قيمة محترمة في الكويت في سنوات الأربعينات والخمسينات والستينات, لأن من يلبسها هو المثقف والأديب والمعلم, وعندما تدنت هذه القيمة بالعشرين سنة الماضية, لم تلغى لأن ما يلغى من القيم هو الذي أثبت عدم جدواه للبشر في مسيرة التاريخ.
بعض الناس ينافقون في قيمهم, يؤمنون بشئ ويفعلون شيئاً آخر, فقط لإرضاء المحيط أو خوفاً من الصوت العالي, مثل اللحية والدشداشة القصيرة والصلاة في المسجد, فقط كي يعطي الشخص انطباعاً إيجابياً لدى الغير ولكنه غير صادق.
الناس الآن تصدق أن الإنسان مشى على سطح القمر, بعد أن كان البعض يرفض التصديق, كما يعرف الناس أنه يمكن معرفة نوع الجنين في رحم أمه, بل بالإمكان اختيار نوع الجنين وسماته, كما كان الإسلاميون يرفضون ويحاربون المحطات الفضائية, أما الآن فهم يستخدمونها لأغراضهم.
علينا فقط أن نعرف ونتفهم أن القيم لا يمكن أن تظل على حالها, فهذا يخالف سنة التطور في الحياة, لكنها من المستحيل أن تتدهور بشكل مطلق.


Sunday, April 6, 2008

نحن أفكارنا




هناك قوانين فيزيائية طبيعية حتمية, أي تعمل خارج وعينا, فسواء عرفناها أم لا, آمنا بها أم لا, هي تعمل كقانون طبيعي مثل قانون الجاذبية لإسحاق نيوتن, فعندما يسقط شخص من بناية عالية لا يهم هو ابن من, أو إن كان لديه شهادة عليا أو إن كان طيباً أو شريراً, فلا بد أن يسقط إلى الأسفل, لا أحد يسقط إلى الأعلى, كذلك هناك قانون فيزيائي طبيعي حتمي آخر لنيوتن, مفاده أن لكل فعل ردة فعل مساوية له بالمقدار ومعاكسة له بالاتجاه, فإذا ضربت كرة على الحائط فلا بد وأن تعود إليك بنفس القوة.
حسب فيزياء الكم أو quantum physics, وهي من العلوم الحديثة, وحسب طبيعة وظائف العقل الباطن, فإن أفكارنا ومشاعرنا هي ما تصنع واقعنا, فالأفكار والمشاعر هي فعل ولذا يمكن قياسها بجهاز تخطيط المخ EEG, وما دامت فعلاً فبالتأكيد لها ردة فعل, فالأفكار الإيجابية تأتينا بمثلها, والأفكار السلبية ترتد إلينا بمزيد من السلبيات, والمدهش أن ترددات أفكار وطاقة المحبة هي أقوى ترددات.
ويقول هذا العلم أن الكون واحد, فكل الكون بما فيه نحن فيزياء ورياضيات, كل شئ في الكون عبارة عن طاقة, والأفكار والمشاعر هي طاقة, فإذا كانت مشاعرنا وأفكارنا إيجابية كانت طاقتنا إيجابية, والعكس صحيح.
وبمراجعة سريعة للتاريخ نجد أن كل الأديان وكل الفلسفات والحكم والعلوم تقول نفس الشئ وتدعو إلى الأمر ذاته, مثل "تفاءلوا بالخير تجدوه" أو "الحسنة بعشرة أمثالها" أو "من يزرع الريح يحصد العاصفة", ويؤكد العلم الجديد "العلاج بالأفكار Noesitherapy, أن هناك ردة فعل بيولوجية لأفكارنا ومشاعرنا, ونستطيع التحكم بصحتنا النفسية والبدنية بناء عليها, فإن كانت أفكارنا إيجابية فكل عضو وخلية وعصب في أجسامنا تعمل بكفاءة تامة, وإن كانت أفكارنا ومشاعرنا سلبية, فهناك ضغط على أجهزتنا الداخلية وخلل في وظائفها, وهناك شعر ينسب لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول:
دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك وما تبصر
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
وهذان البيتان يؤكدان على صحة وحدة الكون كما توضحها فيزياء الكم, وعلى ردة الفعل البيولوجية كما يؤكدها علم العلاج بالأفكار, إذاً ما نريده في هذه الحياة نستطيع تحقيقه سهولة, فقط بأفكارنا ومشاعرنا سواء الصحة أو السعادة أو النجاح, والعلماء يشبهون الكون بمرآة عاكسة, وبما أن أفكارنا أفعال إذاً لا بد وأن تأتينا بمثلها, كما يقول المثل "الطيور على أشكالها تقع.
ويعرف العلم أن الإنسان لديه دماغ, يحوي عقلين واع وباطن, والعقل وظيفة, ووظيفة العقل الواعي هي المنطق والأرقام والكلام والمقاييس..الخ, لكن ليس من وظائفه الحلول والإجابات, فقط تحديد الأهداف, أما الحلول والإجابات فهي من وظائف العقل الباطن وكذلك كل إمكانات الإبداع والخيال وأرشيف الذكريات, وإذا أردنا تحقيق شئ فنحن نطلبه بالعقل الواعي أي بوعينا, ونترك العقل الباطن يرتب الأمور والظروف والحوادث لتحقيق هذا الهدف, ومشكلة معظم الناس أنهم يحاولون حل مشاكلهم وإيجاد أجوبة من خلال وعيهم, والعقل الواعي لا يعرف لا إجابات ولا حلول, هو فقط يحيرنا وكثرة استخدامه تمرضنا, رغم أننا نعرف المنطق من خلاله, لكننا لا نعرف لماذا نتصرف خارج هذا المنطق, وكأن مشاعرنا هي التي تتحكم بنا رغم إرادتنا.
إذاً حسب قوانين الطبيعة الحتمية لنيوتن, وقوانين النسبية لأينشتاين, وقوانين الديالكتيك, نستطيع تحقيق ما نريد تحقيقه, وهذا أمر حتمي لا يمكننا تغييره أو معاكسته, فكل شئ في الكون يسير حسب هذه القوانين.
في السياسة الأمور نسبية, وليست مطلقة فإذا رشحت نفسك لانتخابات مجلس الأمة, فليس مهماً إن كنت وطنياً أم فاسداً أو سارق مال عام, في السياسة لا يوجد أسود وأبيض, ونجاحك من عدمه يعتمد على فهمك للعبة السياسية وطبيعة التحالفات, وإلا ستضع اللوم على الشعب الكويتي لجهله وجحوده, لأنك طبقت القوانين الفيزيائية الحتمية على شئ نسبي, ومثال لنسبية الزمن يقول أينشتاين أنه لا يوجد زمن, فالزمن افتراضي الزمن يقصر عندما نكون سعداء, ويطول عندما نكون تعساء, نحن نصنع الزمن بعقولنا, وعندما نجعل عقولنا مفتوحة نتعلم بسرعة قياسية, وعندما نكابر فذلك يعني أن أفكارنا ومشاعرنا سلبية وسيرتد علينا بمثلها حسب قوانين الكون.
ولنتذكر أن ننطلق في حياتنا دائماً من مبدأي المحبة والاحترام.

Saturday, March 29, 2008

ثقافة الصحف الجديدة




سابقاً كانت تقاس أهمية الصحف بصفحاتها الثقافية, والقضايا الفكرية المطروحة ضمنها, ولعل واحدة من أفضل الصحف كانت "الوطن" عندما كان يرأس تحريرها الأستاذ محمد مساعد الصالح, فموضوعات الصفحة الثقافية كانت تضاهي المجلات الأدبية العربية, سواء كانت المقالات والإبداعات كويتية أم عربية وعالمية.
ومع ازدياد عدد الصحف اليومية هذه الأيام, يفترض أن يكون هناك غنى في الثقافة, فهذه الصحف استقطبت محررين للصفحات الثقافية بعضهم كتاباً مرموقين من الدول العربية, وبعضهم مبدعين, لكنهم لا يعرفون الساحة الثقافية الكويتية, ولا يبذلون جهداً للتعرف عليها ودراستها, ولا يعرفون الكتاب والأدباء الكويتيين.
وقد لا يعطي رؤساء التحرير أهمية كبيرة للصفحات الثقافية في صحفهم, لذا فالإعلانات تطال هذه الصفحات أولاً, وقد يكون هدف ملئها بالمواد هو ما يجعل هؤلاء المحررين يقابلون الأدباء والمثقفين عبر الهاتف, دون عناء اللقاء بهم وجهاً لوجه.
فأحد المحررين المحترمين خاطبني وتعامل معي بصفتي ناقداً, وأنا لست بناقد, وآخر تعامل مع كاتب شاب لم ينشر كتاباً على أنه الكاتب الكبير, وتعاملوا مع شاعر شعبي على أنه أديب كبير, لم يقرءوا تاريخ الأدب والثقافة في الكويت, ولم يعرفوا أجيال الأدباء وتطور الحركة الفكرية في الكويت, ولذا سألني أحدهم:"هل انتهى الإبداع في الكويت؟", ولا أفهم كيف يمكن أن ينتهي الإبداع عند الشعوب, فما دام هناك بشر فالإبداع يزيد ولا ينتهي, وسألني آخر:"ما تأثير حل مجلس الأمة على الثقافة في الكويت؟", أو "ما رأيك بالنائب الفلاني؟", أنا لا أقول بأنه لا يحق لأحد بأن يطرح ما يشاء, فكما يقال "لا يوجد سؤال غبي, بل هناك إجابات غبية" ولكن للأسئلة وجاهتها أيضاً.
هذه الصحف الجديدة يجب أن تكون مجالاً ثرياً للثقافة بمنظورها المتحضر والعميق, وقد تفاءلنا خيراً بالتعدد وخاصة بوجود محررين مثقفين, لكن بعد مرور وقت كاف على ظهور هذه الصحف, يجب أن يكون المحررون قد عرفوا الساحة الثقافية والأدبية في الكويت, وبودي لو اجتمع رؤساء التحرير بالمحررين الثقافيين لحظة وصولهم الكويت, وحضهم على تكثيف حضورهم للنشاطات الثقافية, وقراءة تاريخ الحركة الأدبية والثقافية, والالتقاء بالأدباء وجهاً لوجه, ومعرفة سير حياتهم.

مرة أخرى الإصلاح والتنمية

نشرت القبس في عددها الصادر يوم السبت 22 مارس الجاري يقول:" أصدر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي أمس قانوناً يقضي بإنشاء مؤسسة برأسمال 10 مليارات دولار (ما يقارب 3 مليارات دينار كويتي), تعنى بالارتقاء بمستوى البحث العلمي, ودعم وتنشيط أعمال التأليف والنشر والترجمة, وتهدف المؤسسة إلى تصميم وإدارة برامج بناء ودعم قاعدة معرفية متطورة, والارتقاء بمستوى البحث العلمي, كما تعنى بإنشاء المتاحف والمكتبات المتخصصة ومراكز البحث ودور النشر والترجمة, وإطلاق الجوائز العالمية في مجالات الثقافة والأدب والمعرفة والعلوم, وإصدار دوريات في مختلف المجالات, وتنمية الثقافة ودعم وتشجيع المثقفين".(انتهى الاقتباس)
عندما يأسف الشعب على ما وصلت إليه الكويت من مستوى متدن من التنمية بجميع مجالاتها, فلأنه يعلم أن ذلك يعود لتدني مستوى الاهتمام بالثقافة بمفهومها الشامل, وغياب وعي الحكومة عن الضرورة القصوى للثقافة في الإصلاح والتنمية.
بل أسوأ فهناك انحطاط في التعامل مع الثقافة والأدب, فما زالت تصادر أعمال مبدعين كويتيين, وهناك ازدراء للثقافة الجادة, وتشجيع للسطحي والتافه منها, حتى بلغ الأمر إلى انحدار مستوى التعليم, وتهديد هيبة الحكومة, وانتهاك صريح للقانون من السلطة التشريعية, والانتخابات الفرعية للقبائل دليل واضح, فالكويت لم تعد لعصر نهضتها.
وفي الوقت نفسه تعي دول شقيقة, كنا نقدم لها المساعدة الثقافية والعلمية, تعي هذه الدول أهمية الثقافة, فتصرف عليها المليارات, والحكومة الكويتية تستكثر على الكويت إنشاء وزارة ثقافة.
ألم يئن الأوان؟

Sunday, March 23, 2008

آن الأوان



الآن وبعد حل الوزارة ومجلس الأمة, هي فرصة لا تعوض للنظر بجدية إلى إستراتيجية التنمية, إلى جوهر ومعنى التنمية بعقل مفتوح, آن الأوان لفهم أن التنمية لها أساسات لا غنى عنها, وأساس التنمية هو الثقافة, وقد كتبنا مراراً أن لا تنمية اقتصادية دون تنمية ثقافية, فهذا قانون حتمي يقول ما أهمية النقود والأبراج والمجمعات التجارية دون إنسان؟ فهو المصدر الأساسي للتنمية وهو المتلقي الأساسي للتنمية, وعندما يفكر المستثمر الحكيم بأساس الاستثمار لن يجد غير الإنسان, فدونه لن يستطيع البناء ولن يعود عليه عائد.
فالإنسان كان رجل الدولة الذي بنا وأسس الكويت الحديثة, والإنسان هو الذي بنا المؤسسات واحترم القانون, وهو الذي وصل بالكويت إلى مكانتها المرموقة, وهو الذي حرر الكويت من الاحتلال وأعاد بناءها, هو الذي جعل الكويت مكاناً جميلاً.
لكن عندما غاب هذا الإنسان وأصبح النظر إلى التنمية والإصلاح بسطحية وضيق أفق, محصور بالاقتصاد والتجارة والمال, تدهورت الكويت في جميع المجالات, فهل ستستفيد الكويت من حل الوزارة ومجلس الأمة حتى وإن كان ألف مرة؟ إطلاقاً فالإنسان هو الإنسان والنظرة هي النظرة, ومن يقود البلد في السلطتين التشريعية والتنفيذية لم يعودوا رجال دولة, حكومة ضعيفة ليس لها قدرة على اتخاذ القرار, ومجلس يحرض على انتهاك القانون وعلى الفساد وإضعاف الدولة, والضحية هي الشعب والوطن, تدني الثقافة هي تدني لغة الحوار والخطاب ليس للإنسان السوقي, ولكن لممثل الأمة والشعب.
والنظرة للثقافة عند السلطة قاصرة في كل مرة, محصورة بالتجليات وبعض نتاجاتها الإبداعية, فقط اسأل أي مسئول كبير عن ماهية الثقافة سيقول لك هي الأدب والفن والمسرح والموسيقى, وهي ليست شيئاً أساسياً للدولة وللتنمية, لكن الثقافة هي أعمق من ذلك بكثير, هي مجمل النتاج المادي والفكري وأنماط السلوك لمجتمع معين في لحظة تاريخية معينة, الثقافة ليست القدرة على قراءة الكتب فقط, بل هي الإنسان المتحضر الذي يعي مسئولياته ويحترم وطنه وقوانين الدولة, هو النائب الذي يحفظ وعده وقسمه بالحفاظ على أمن البلد وأمواله, وليس التحريض على الاعتداء على البلد ومقدراته وأمنه, هو التعليم المنفتح المتطور المواكب للتقدم العالمي, هو صمام الأمان لهذا الوطن المترنح جراء الجهل والتخلف والتعصب.
تميزنا كدولة وشعب عندما كان المانشيت العريض لنا هو الثقافة, وتخلفنا عندما توارت الثقافة, وقفت دول العالم معنا في أزمتنا لأننا شعب لنا كيان ثقافي متقدم, ومظاهره تبدأ من الرياضة إلى الأدب والفن وصولاً إلى نظام ديمقراطي ومؤسسات مدنية.
عندما نفكر بالإصلاح لا يجب أن نفكر بالمجمعات التجارية والأبراج فقط, ولكن الإصلاح الأساسي يبدأ بالإنسان المنتج والمتلقي لهذا الإصلاح, علينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً جاداً, لماذا فشلت حتى الآن خطوات الإصلاح؟ فمهما بحثنا وألقينا اللوم على بعضنا وعلى الظروف الإقليمية والعربية, لن نجد جواباً حقيقياً وواضحاً غير الإنسان وثقافته, فهو الوزير وهو النائب وهو المواطن, ومن دون وعي وثقافة فسيقاد الوطن إلى المحرقة.
آن الأوان, وهي فرصة تاريخية لا تعوض للنظر بجدية للعامل الثقافي, لوضع الإصلاح على الطريق الصحيح, فعندما أسس الأمير الراحل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, ومعهد الكويت للأبحاث العلمية, ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي, كانت نظرته شاملة للتنمية, وضع أساساً صلباً للتقدم, لذا فالاستحقاق هو إنشاء وزارة ثقافة, وقد يقول قائل هناك مأزق دستوري, وأقول هناك مخارج دستورية.
آن الأوان أن تلتفت السلطة إلى الثقافة باعتبارها عنصراً أساسياً للإصلاح والتنمية, وهو العنصر الناقص في معادلة التنمية وهو العنصر الأهم في معادلة الإصلاح, فدول الخليج سبقتنا بخطوات لأنها وجدت الجواب بالثقافة, فأسست وزارات للثقافة والإعلام, ووضعت الثقافة قبل الإعلام, والإعلام ليس كل الثقافة ولكنه انعكاس للثقافة, ولذا يجب فصل المؤسسة الإعلامية عن الثقافة.
مرة أخرى الثقافة تعني التعليم والرؤية الاقتصادية والمؤسسات القانونية والمدنية, تعني الإنسان الذي حلت من أجله الحكومة وحل من أجله مجلس الأمة.
آن الأوان لإنشاء وزارة ثقافة كويتية.

Sunday, March 16, 2008

لم يكن لدى الربعي معارف




عندما سئلت "الأم تيريزا": "أنت ضد الحروب, لماذا لا تخرجين معنا في مظاهرة ضد الحروب" أجابت: "لا أريد, لكن إن كانت لديكم مظاهرة مع السلام العالمي, فأنا مستعدة في أي وقت".
هكذا كان د. أحمد الربعي رحمه الله إيجابياً, فهو مع الهدوء وليس ضد الغضب, مع الصحة وليس ضد المرض, بعض المناضلين السياسيين يركزون على سلبيات الطرف الآخر, بينما كان الربعي يركز على إيجابياته ونقاط الالتقاء, كان يدعو لرؤية أجمل ما في الكويت بدلاً من التركيز على الفساد, كان يقول لدينا بحر جميل وصحراء جميلة, لدينا شعراء رائعين وفنانين مبدعين, لا نحتاج إلى استنزاف طاقاتنا في السلبيات فهذا لن يحلها, بل ستتضخم في أذهاننا.
لم يكن أحمد متهافتاً, بل كان يجذب إليه أجمل الأشياء, ويستمتع بكل تفاصيل الحياة, واثق ومطمئن, واثق من فوزه بالانتخابات النيابية أو في لعبة "كوت", عرف سر الحياة, وقانون الجذب الكوني الذي يعرفه قلائل من الناس, دون أن يحيد عن مبدأه النضالي وعشقه لوطنه.
وعندما ننوي الكتابة عن أحمد الربعي, نحتار من أين نبدأ, فهو رجل كوني, موسوعي, استثنائي, كان مناضلاً سياسياً, ولم يكن رهين النظرية أو النظرة الضيقة, بل كان شجاعاً بمرونته ضمن خطه النضالي الذي اكتسب نضجاً مع مرور الزمن, ووجد بالتفكير الأشمل ألواناً وإزهاراً بعيداً عن اللون الرمادي الذي يضرج السياسة الآنية.
ورغم معرفة بعض السياسيين المثقفين لأهمية الأدب والفن, إلا أنهم نادراً ما يقرءونه ويستمتعون به, ويستمدون منه بعد نضالي وفهم للواقع, ونادراً ما تجدهم في المعارض التشكيلية والمسارح والعروض الموسيقية, لكن أحمد كان شاعراً رقيقاً وعاشقاً للفنون والآداب, حاضراً دائماً في المناشط الثقافية, قارئاً نهماً للأدب, وضيفاً دائماً في رابطة الأدباء, كان في ذهنه منذ سنوات مشروع كتابة رواية, وعندما أصيب بالمرض نصحه أحد الأصدقاء المشتركين بالشروع في كتابتها, على اعتبار أن الكتابة وممارسة الفن هي عوامل شفاء من الأمراض.
ورغم أنه كان صاحب قلم رفيع المستوى, إلا أنه لم يصدر كتاباً, وحسناً فعلت جريدة القبس بطباعة جزء من مقالاته "أربعائيات", لتضيف إلى المكتبة الإنسانية فكراً مستنيراً, رغم أن حقه أكبر فحجم ما كتبه وشارك به من ندوات كان كبيراً.
لم يكن لديه معارف, فكل إنسان عرفه يشعر بأنه صديقه الشخصي, وهذا أمر صحيح بالنسبة له أيضاً فكل معارفه أصدقاء له, وقد كان فناناً بالتواصل الاجتماعي, يترك انطباعاً للوهلة الأولى, يوزع طاقة إيجابية على الجميع.
تزاملنا في التجمع الطلابي الديموقراطي الكويتي, والذي كنت أرأس تحرير مجلته الشهرية "صوت الطالب", وذلك أثناء دراساتنا العليا بالولايات المتحدة الأمريكية في بداية الثمانينيات, وكان صديقاً لكل الطلبة والطالبات المتناثرين في الولايات, ولدى كل منهم حكاية معه.
لم يكن يضع حدوداً واعتبارات في صداقاته, لا للسن ولا للمستوى الاجتماعي أو الجنس أو العرق, فابني الكبير ولد بالولايات المتحدة, وحمله أحمد أثناء مؤتمر التجمع في كاليفورنيا, ثم في السنوات الأخيرة أصبحا صديقين حميمين متلازمين طوال الوقت.
في آخر زيارة له لرابطة الأدباء, دخل وكان يضع كماماً على أنفه وفمه, وكان الإنهاك بادياً عليه, جاء ليسأل الأدباء والأساتذة عن بيت شعر للمتنبي, به إشكالية نحوية أثارت فضوله, كان يقرأ ويتابع باهتمام رغم المرض, كان يستخدم الشعر والقراءة لمقاومة المرض, ولو كان أحد غيره لانزوى منتظراً منيته.
كنت قد أوقفت سيارتي بعيداً بسبب الازدحام, وطلبت من زوجتي أن تنتظرني ريثما أقوم بواجب العزاء, كان الشارع المؤدي للبيت مزدحماً, وكانت الديوانية مكتظة, وعندما عدت لسيارتي التفت إلى زوجتي قائلاً:" هذا الرجل سيدخل الجنة بإذن الله", وعندما تساءلت زوجتي عن قصدي أجبت:" من أحبه الناس, أحبه الله".
وداعاً أحمد