Saturday, September 26, 2009

رحلة بالداسار ونهاية العالم



رحلة بالداسار, هي الرواية الثامنة للأديب المبدع, اللبناني الأصل أمين معلوف, كتبت في الأصل باللغة الفرنسية, وصدرت باللغة العربية عن دار الفارابي عام 2001م.
وبالداسار هو تاجر تحف وكتب ومخطوطات أثرية, من عائلة أمبرياتشي الجنوية العريقة, والتي استوطنت منطقة جبيل بلبنان من أيام الحروب الصليبية على الشرق, وفي الرواية يحصل بالداسار على كتاب "الاسم المئة", الذي يفترض وجود اسم أوصفة لله غير معروف, إضافة إلى الأسماء التسعة والتسعين, و المؤلف هو المازنداري, حصل عليه من رجل عجوز سرعان ما مات, دون أن يتمكن بالداسار من دفع ثمن الكتاب, ثم يشتريه موفد البلاط الفرنسي مارمونتيل, ويصطحبه معه في رحلة بحرية إلى القسطنطينية, ويكتشف بالداسار أهمية الكتاب الذي يبحث عنه الجميع, بل ويمنع في بعض ولايات الدولة العثمانية الحديث عنه, أو الاحتفظ بنسخة منه.
والكتاب يتنبأ بسنة نهاية العالم, وهي سنة 1666م, التي سميت بسنة الوحش, ومن سينجو من هذه النهاية, فقط من يقرأ الكتاب ويعرف بالتالي الاسم المائة لله, كما يفترض مؤلف الكتاب, ومن هنا اكتسب هذا الكتاب ومحتواه كل هذه الأهمية, لدى معتنقي الديانات السماية الثلاث, الإسلام والمسيحية واليهودية, وآمن كثير من الناس بتاريخ نهاية العالم.
وتبدأ رحلة بالداسار للبحث عن الكتاب في أغسطس 1665م, وهي رحلة مليئة بالمغامرات انتقل فيها بالداسار وابني أخته وخادمه وسيدة تبحث عن زوجها الذي هجرها, وقيل أنه مات, من جبيل إلى القسطنطينية إلى أزمير, ثم جزيرة شيو اليونانية, فجنوا ثم لندن, ليعود مرة أخرى إلى جنوا مروراً بباريس وبعض المدن الفرنسية, ملاحقاً في هذه الرحلة أثر الكتاب من مدينة لأخرى, حتى يعثر عليه عند قس مسيحي في لندن, مسجلاً أثناء الرحلة مشاهداته وانطباعاته في أربعة دفاتر يضيع ثلاثة منها.
ورحلة بالداسار, هي رحلة البحث عن الذات, رحلة القلق الوجودي الدائم الذي يرافق الإنسان في كل العصور, الرحلة تمثل السؤال الفلسفي والديني عن الحياة والآخرة, أو مصير البشرية, ولكن سنة 1666م مرت, والسنة التي تلتها مرت دون أن ينتهي العالم, لكن العقل البشري فسر الأحداث التي يمكن أن تكون طبيعية, قد تحدث في أي سنة أخرى, على أنها إشارات أو علامات لنهاية العالم, مثل حريق لندن الكبير, وظهور حاخام يهودي يدعي أنه المسيح الدجال.
عكست هذه الرواية, مهارة معلوف في دراسة التاريخ وتقصي تفاصيل المراحل والحقب, وتطويعها فنياً, كذلك عكست الحس الصحفي للمؤلف, فجاءت تفاصيل الأحداث التي سجلها في الدفاتر, كتحقيق صحفي أو سيرة ذاتية أو أدب رحلات, وهي رواية ممتعة تستحق القراءة.
هذه الرواية وأسئلتها حول الوجود, تذكرنا بالنبوءات التاريخية لنهاية الكون, وعلاماتها, فقد تنبأ البعض أن نهاية الكون ستكون في نهاية الألفية الأولى لميلاد المسيح, ثم الألفية الثانية, لكن ذلك لم يحدث, رغم جزع العديد من الناس, الذين انتحر بعضهم, وهجر بعضهم أعماله, انتظاراً لهذه النهاية.
كما أن نوسترا داموس العالم الفلكي الفرنسي المشهور بتنبؤاته, والتي ما تزال تثير جدلاً عند كثير من الناس, كان قد تنبأ في عام 1890م, بأن نهاية العالم ستكون عام 2012م, وتنبأ كذلك الصينيون واليابانيون بأن نهاية العالم ستكون عام 2012م, وقبلهم تنبؤات شعب المايا في أمريكا الجنوبية, التي تؤكد بأن نهاية العالم ستكون أيضاً في عام 2012م, حسب تقويم المايا, الذي وضعوا له جداول رياضية محكمة, تتنبأ بالكوارث والأحداث الفلكية.
وهناك كذلك تنبؤات شعبية, ليس لها سند ديني أو علمي, مثل أن من علامات الساعة, هي أن الحديد يطير ويتكلم, وقد ناقش علماء في الدين هذا الأمر ودحضوه, خاصة وأن العلم في تقدم دائم, فالحديد فعلياً طار وتكلم, ومثاله الطيارة والمذياع, بل وصل العلم إلى آفاق لا يمكن لعقل بشري, عاش قبل قرنين فقط من تخيلها.
لا يوجد بشر حتى الآن, يستطيعون تحديد نهاية العالم, سواءً استناداً إلى المعطيات العلمية أو الدينية, وما زال هذا الأمر في علم الغيب, وبعيد عن ذهنية الإنسان.

Tuesday, September 22, 2009

الغيرة المرضية



بعد حادثة حريق الجهراء, وردتني أسئلة كثيرة, بعضها من وسائل الإعلام, وبعضها من أشخاص, سواء من داخل أو من خارج الكويت, تتركز الأسئلة حول دوافع المتسببة بهذا الحريق, وهل هي سوية من الناحية النفسية, أم تعاني من مرض نفسي, جعلها فاقدة للإدراك, ولعدم تقديرها لنتائج عملها.
وبالطبع فإن الأمر مازال تحت تحقيق الأجهزة الأمنية, وللقضاء الكلمة الفيصل في إدانتها أو تبرأتها, ثانياً يجب أن تخضع المرأة لفحص وتشخيص نفسيين, من قبل اختصاصيين مهنيين محترفين, كي يقرروا حالتها النفسية العامة, وحالتها قبيل وأثناء الحادثة, وهم من يقيم حالتها النفسية, بعيداً عن التكهنات والتحليلات المبنية على تصريحات الصحافة.
لكن ماذا يمكن أن يدفع هذه المرأة لفعل ما فعلت, إن تمت إدانتها؟ وهل يمكن أن تدفع الغيرة بإنسان لارتكاب مثل هذا العمل؟
وجواباً على ذلك نقول نعم, إذا كان هذا الإنسان يعاني من الغيرة المرضية pathological jealousy, والشك المرضي doubting mania, فإنه من الوارد أن يرتكب حماقات أوحتى جرائم, دون تفكير منطقي.
فالغيرة المرضية كما يقول المختصين, هي من العواطف المرضية المركبة, التي تشتمل على فقدان احترام الذات وعدم الثقة بالنفس, مع الخوف والبغض والتقلب العاطفي, والكراهية والاكتئاب والتوتر, والشك المرضي هو ضلالات راسخة و يؤمن بها الشخص إيماناً مطلقاً, ولا يمكن مناقشته بها وإقناعه من الناحية المنطقية, حتى لو لم توجد لديه أدلة لشكه, فيترائى له الخيال واقعاً, ويتحول الأمر إلى وسواس قهري بهذا الاتجاه, ويظل في بحث دائم عن دليل خيانة للزوج أو الزوجة, مستخدماً كل أنواع المراقبة والتفتيش, يصاحبهما عنف في الكلام وعصبية, وعدم القدرة على النوم, أو أرق, ويصاحبه أحياناً شك في نوايا الشريك في التخطيط لقتله أو تسميمه.
ويقول استشاري الطب النفسي د. محمد الحسن خالد, أن المريض بالغيرة والشك, شديد الحساسية لانتقاد الآخرين له, ومفرط الحساسية لما يعتقد أنه تجريح له, رغم أنه يبدو سوياً للآخرين إلا فيما يخص موضوع الشك, ولديه حقد مستديم وعدم القدرة على الصفح والغفران لأي كان, كذلك لديه عدوانية غير مبررة مع الآخرين, كما أن لديه حالة إنكار لحالته, ويجمع وبشكل مستمر مؤيدين لفكرته مثل أبنائه الصغار وبعض أصحابه, بزرع الفكرة في أدمغتهم, ولديه عجز عن التوافق الاجتماعي, وتتميز ردود فعله بالتسرع والطيش وبعدم التفكير, وغالباً ما يلجأ للكذب.
تقول بعض الدراسات أن من بين 81 مريضاً بالغيرة والشك, 3 ارتكبوا جريمة قتل, وفي دراسة أخرى أجريت على 138 حالة, أن 25% منهم هددوا بالقتل أو الأذى مثل الفضائح, وتشويه سمعة الشريك, لكن المريض حسب الإحصائيات نادراً ما يقدم على الانتحار, بل وجدوا بعض حالات إنتحار للطرف الآخر, المشكوك به, وذلك لوضع حد لمعاناته, ولعدم قدرته على الاستمرار في تحمل غيرة وشكوك الشريك.
والغيرة المرضية قد تكون بين الأخ وأخيه, وبين الأم وزوجة ابنها, كل هؤلاء يمرون بنفس الأعراض, ويتخيلون أحداثاً ومؤامرات لم تقع بالفعل, ويصيغون سيناريو ذهني لهذه الأحداث غير الموجودة في الواقع, لكن أكثر الحالات الشائعة هي بين الزوج والزوجة, ووجد الباحثون أنها تصيب من نصف إلى 2 ونصف من المجتمع, ونسبتها أكثر عند الرجال الذين يعتبرون زوجاتهم ملكية خاصة, ويقومون برصد تصرفاتهن وتحليلها في ضوء الرغبة في السيطرة عليهن واخضاعهن.
وليس لهذا المرض علاقة بدرجة التعليم أو المكانة الاجتماعية, ويعزو بعض العلماء المرض إلى التركيب البيولوجي والوراثي والاجتماعي البيئي, أو التربية, وبعض العلماء يقولون أنه لا يوجد دليل وراثي, ولكن الجميع يتفق على عقدة النقص وفقدان الثقة بالنفس.
ولأن المريض لا يستجيب لنداء العقل ولا يمكن تصحيح سوء ظنه بالمنطق, يجب أن يخضع للعلاج الدوائي المضاد للذهان, ويمكن للعلاج المضاد للاكتئاب أن يخفف من حالته, ويجب أن يرافق العلاج الدوائي, علاج نفسي سلوكي قد يطول وقد يقصر على حسب الحالة, واعتراف المريض بمرضه, واستعداده للتغير, يساعدان على الشفاء.
تأثير هذا المرض ضار ومدمر للأسرة, وقد ينتقل بالاكتساب إلى الأبناء والبنات, لتتكرر مأساة التدمير الأسري, والجدير بالذكر, أن أعراض المرض قد تختفي بالانفصال بين الزوجين, ولكنها يمكن أن تعود أذا تزوج المريض مرة أخرى.

Saturday, September 12, 2009

عشق الدم



رغم أن شهر رمضان يدعو إلى الخير والمحبة, شهر يتنزه فيه الإنسان عن الكراهية والحقد ضد أخيه الإنسان, إلا أنني اندهشت من بعض شيوخ الدين الذين يدعون بالموت على اليهود والنصارى, ويدعون لترميل نساءهم, ولتيتم أولادهم, ويدعون عليهم بأقذع ما يمكن أن يسمعه الإنسان السوي.
وفي ظني أن هؤلاء المشايخ, منسجمين مع أنفسهم, على اعتبار أن أدعيتهم تستند إلى روح الدين الإسلامي, الذين يفهموه على طريقتهم, غير مراعين ليس فقط حرمة شهر رمضان المبارك, ولكن الأهم عقول الشباب التي ستلتقط دعوات العنف والكراهية من أفواه مشايخها, وتسعى إلى مرضاة الله كما تعلمتها من خلال القتل والدمار.
فللعنف أصول وجذور, قد لا تكون مباشرة, فمن خلال مقابلة تلفزيونية مع عضو الكونغرس الأمريكي أنتوني وينر ممثل ولاية نيويورك, عرض مناهج مدرسية سعودية, تدرس للصف الرابع والخامس, تدعو لقتل اليهود والنصارى, من خلال أحاديث لا أعلم مدى صحتها, ولكنها خطرة على العقول الصغيرة, فتلك المناهج ستشكل جزءً من تربيتهم ووعيهم, وستغرس فيهم ثقافية إقصائية تكفيرية, سلوكها العنف والقتل والدمار, حتى للمسلمين المخالفين للمذهب أو العقيدة.
ففي رسالة الجهاد لحسن البنا مؤسس حزب الأخوان المسلمين, يقول في خاتمتها:" أيها الأخوان, إن الأمة التي تحسن صناعة الموت, وتعرف كيف تموت الميتة الشريفة, يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة, وما الوهم الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت, فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم, واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة, رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله" إنتهى الاقتباس.
هذه التربية الابتدائية, وتعليمات أو تحريضات القيادات الإسلامية, هي جذور الإرهاب والعنف, الذي قد تعلم الحكومات الكويتية أو لا تعلم, بأنها رعته وكبرته وساهمت باتساعه, من خلال مناهج التعليم, والمدرسين المتعصبين دينياً, ومن خلال احتضان التيارات الإسلامية السياسية, وضخ الأموال لها عبر ترسية المناقصات لصالحها, حتى أصبح لديها بنوك وشركات استثمارية ضخمة, وجمعيات في جميع مناطق وأحياء الكويت, لجمع التبرعات التي لا أحد يعلم مصيرها.
وهذا الاحتضان والتبني الحكومي للتيار الإسلامي السياسي, بدأ بإغلاق نادي الاستقلال, الذي كان يضم القوى الوطنية, وإفساح المجال لجمعية الإصلاح الاجتماعي للتوسع وفتح فروعها في جميع مناطق الكويت, بدأ بالتضييق على القوى الوطنية الفاعلة, التي كانت تدافع عن حقوق الشعب, وتطرح مشروعات تنموية, واحتضان وتشجيع للقوى التي قادت الكويت إلى التخلف, والتراجع عن مشروع بناء الدولة الحديثة, وساهمت بالتضييق على حرياته.
نحن أمة تعشق الدماء والأشلاء, لأن جذورنا التربوية تمنع الفرح, وتدعو للعنف والكراهية والتكفير والإقصاء, جذورنا التربوية تحارب الموسيقى والفنون والثقافة, وتشجع على الانتحار وقتل البشر, ومثال جرائم المسلمين ضد المسلمين في العراق وأفغانستان وباكستان, هو مثال واضح لا لبس فيه.
إن إلقاء القبض على الخلية الإرهابية في الكويت, هو واجب أمني, ولكن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد, فهذا الفكر وهذه الجذور التربوية, ستنجب مزيداً من الإرهابيين المتعطشين للدماء, المتخفين بأردية الورع والتقوى.
إن القضاء على الإرهاب يكون بالقضاء على الجذور التربوية, التي تفرخه وتغذيه, وتعطيه صكوك الغفران والشهادة, ووعد بالحور العين إن هو قتل الآخر, سواء كان نصرانياً أم مسلماً.
شاهدت فلماً مروعاً في اليوتيوب, لأب باكستاني يدرب ابنته ذات الأربعة عشر ربيعاً, على كيفية نحر رقبة إنسان, وفي تصوير آخر تقوم هذه الطفلة بنحر رقبة رجل مسلم بعد تكبيرها, وتهليل الرجال والنساء والأطفال لفعلها الوحشي, والانترنت يزخر بمثل هذه المشاهد, التي لم يطالب الإسلاميون بمنع بثها.
رحم الله شيوخ الدين التنويريين الكويتيين, أمثال الشيخ عبدالعزيز الرشيد والشيخ يوسف بن عيسى القناعي والشيخ عبدالله خلف الدحيان والشيخ عبدالله النوري وغيرهم, الذين ساهموا بعلمهم وثقافتهم وسماحتهم في بناء الكويت الحديثة, الدولة المتسامحة التي احترمتها شعوب العالم لتسامحها مع الأديان.

Saturday, September 5, 2009

خلل في قمرة القيادة




في ظني أن الكويت تمر في هذه الفترة, بأسوأ مراحلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية, حتى أكثر من فترات حل مجلس الأمة وتعليق العمل بالدستور, فالعمل السياسي البرلماني والحكومي, يتدنى إلى مراحل بدائية غير مسبوقة, رغم وجود مجلس أمة ووجود حياة برلمانية, ولكن لا يمكننا كمواطنين الافتخار بدمقراطية تخالف القانون والدستور, ولا نعتد ببعض ممثلي الشعب, الذين يحاربون مصالحه, ويستغلون الدمقراطية لمصالحهم الخاصة, ولاستنزاف ثروات البلد وابتزاز الحكومة, والغلو في مخالفتها للحصول على امتيازات وحصص من ثروة الشعب الكويتي, سواء لمصلحة ذاتية أو قبلية أو طائفية أوحزبية, عن طريق الترسيات والترضيات, والتجوال بالملفات في أروقة الوزارات.
فكم نائب بالبرلمان وصل إلى الكرسي عن طريق الفرعيات المجرمة قانوناً؟ وكم نائب يملك شركات للاتجار بالبشر؟ أو شركات مشبوهة, وكم نائب لا يؤمن بالنهج الدمقراطي, ويؤمن بالحاكمية لله, استغل الدمقراطية من أجل إقامة الدولة الإسلامية؟ وكم نائب يدعم المنظمات والأعمال الإرهابية؟ وكم نائب يريد تفتيت الوحدة الوطنية بتعصبه الأعمى والجاهل؟ بل من من النواب قدم مشروعاً تنموياً؟
والعمل الحكومي لا يقل إنهياراً في المنظومة السياسية الكويتية, فضعفها وتخاذلها عرضا البلد للسرقة وللفساد الإداري ولتردي التعليم ومخرجاته, وتوقفت الحكومة مذعورة أمام خطوط حمراء وضعها نواب التخلف, فالقبيلة خط أحمر والحديث عن مزدوجي الجنسية والانتماء خط أحمر ورفع نسبة القبول في الجامعة خط أحمر وإزالة مساجد الصفيح خط أحمر ونقد ابن تيمية خط أحمر, حتى اختفت كل الخطوط الخضراء ومعها هيبة الحكومة, وأصبحنا نتساءل من يدير البلد؟!!
وازداد الفساد والبيروقراطية والبطالة المقنعة في الإدارات الحكومية, وأصبح الفراش الآسيوي مركز نفوذ, يستطيع استخراج أية معاملة تستعصي على المواطن, ويستطيع من تحت الطاولة مالا يستطيعه الموظف الكبير, الذي يقبض راتبه وهو في بيته.
وعلى المستوى الاجتماعي, إنغمس المجتمع في الخرافات, وكرست المسلسلات للسحر والحسد والعين, وتراجع المستوى التعليمي والثقافي للمواطن, وكثرت حالات الطلاق والغياب عن المنزل, وتضخمت سجلات المخافر من عمليات الخطف وهتك العرض والإدمان, وكثرت حالات الشباب المنتمي إلى منظمات إرهابية, وأصاب المجتمع إحباط كبير, وخوف من غياب الأمن الاجتماعي والاقتصادي.
وعلى المستوى الاقتصادي, فإنه ولأول مرة في تاريخ الكويت, تطرد مجموعة من الكويتيين من عملهم بشكل تعسفي, وتعاني شريحة متعلمة من الديون المتراكمة, ومن أقساط مدارس أبنائها, وتطالب قضائياً وتمنع من السفر, بسبب حرمانها من مصادر رزقها, كما تدنت القدرة الشرائية لدى المواطن, وارتفعت أسعار السلع والمواد الغذائية, وأصبحت المؤشرات تشير إلى منحنى متشائم, كل ذلك في ظل تعالي القوى الحية في المجتمع على أنين المواطن, وفي ظل غياب مبادرات جمعيات النفع العام صاحبة المصلحة في تطور المجتمع ورخاء أبنائه.
وتحولت دولة الكويت, التي كانت تسعى لبناء الدولة الحديثة في الستينيات, إلى دولة تعاني قصوراً في الرعاية الاجتماعية, وتدهوراً في الخدمات الصحية والتعليمية, وانحساراً في هيبة القانون, وفساداً مستشرياً في كل أوصال الدولة, وغياب المواطنة الصالحة, وغياب الرؤية لمستقبل البلد وأجيالنا القادمة.
إن قمرة القيادة في البلد, والتي يتقاسمها التشريع والتنفيذ, تعاني من خلل خطير, وأكرر خطير جداً, قد يودي بحياة الركاب, أو على الأقل يترك أثراً سيكلوجياً سلبياًً لسنوات طويلة.

Sunday, August 30, 2009

العيارين



ما زالت بعض التسميات والصفات في اللغة العربية, موجودة في لهجاتنا المحلية, وإن اختلفت مدلولاتها عن أصلها في التراث العربي, مثل العيار والشاطر والأزعر والفتوة والقبضاي والحرافيش وأيضاً اللوتي والشلايتي.
كلها تدل على أشخاص أو حتى مجتمع من طبقة اجتماعية واقتصادية متدنية, احترفوا بسبب الفقر والجوع شتى أنواع السرقة والتحايل, واحتقرهم أصحاب النفوذ ووصفوهم بأقذع الألفاظ مثل الغوغاء من السفلة والأوباش والحثالة العامية والسراق وأهل السجون, وعاشوا منبوذين من الدولة والطبقات العليا, وخارجين عن القانون.
ويحفل التراث العربي بحكايات ونوادر وأدب الشطار والعيارين, وفي ظني أن أهم الدراسات الحديثة التي صدرت في هذا الموضوع, هو كتاب "الشطار والعيارين" للدكتور محمد رجب النجار, ضمن سلسلة عالم المعرفة العدد 45, والتي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت, صدر العدد في سبتمبر 1981م, بل أزعم أنها قد تكون الدراسة العلمية الأولى في هذا المجال, ولكن حكايات هؤلاء ذكرت في التراث العربي عند الجاحظ والمسعودي والطبري وغيرهم.
ولا تقتصر ظاهرة العيارة والشطارة على المجتمعات العربية, ولكنها موجودة في التراث الهندي والبابلي والفرعوني والفارسي والأوربي, ونموذج البطل الشعبي البريطاني روبن هود, هو نموذج العيار, إذ أنهم جيمعاً ظهروا في فترات الانحطاط والفساد السياسي والحضاري في بلدانهم, وتمردوا على مجتمعاتهم ودخلوا في صراع مع المجتمع الذي احتقرهم, "لينالوا باسلوب غير شرعي, ما يتصورون بأنه حق شرعي لهم"
[1], كما أنهم أخذوا من الأغنياء وأعطوا الفقراء, ولهم مبادئ لا يحيدون عنها, مثل عدم سرقة الفقير والمرأة, وعدم سرقة من يخرج الزكاة, كما أنهم يهبون لنجدة ومساعد المظلوم, ويتحلون بصفات الشهامة والكرم والإنسانية والشجاعة, ولذا فقد حضوا بإعجاب العامة, فتعاطفوا وتستروا عليهم.
وحمل التراث العربي معه, الكثير من القصص الشعبية التي تم تناقلها شفاهة, مما جعلها أقرب إلى الملحمية, مثل ملحمة "علي الزيبق", التي اختلطت فيها الحقيقة بالخيال, ولكن شخصيات هذه القصص لم تأت من خيال, فهناك شخصيات من العيارين عرفها التاريخ, مثل دليلة المحتالة وأحمد الدنف, الذين كان لهما دور مهم في أحداث التاريخ, فالخليفة العباسي استنجد بعلي الزيبق لاخماد الفتنة التي حدثت في بغداد عام 443ه, بين السنة والشيعة.
ومن الطبيعي أن تلقى تلك الفئة مقاومة عنيفة من قبل السلطات, ليس فقط لأنها جماعة مشاغبة, ولكن لأنها تشكل إدانة للعصر وللمستأثرين بالسلطة والثروات, لكن الخلفاء استعانوا بهم ضد خصومهم عند ظهور القلاقل السياسية, فوقفوا دائماً مع الحق, وواجهوا الجيوش المسلحة والمنظمة, بالعصي والمقاليع, وقدموا العديد من الضحايا في دفاعهم عن شعوبهم.
وكان العيارون والشطار والحرافيش والقبضايات, جزءً من الثورات الشعبية العربية, فأظهروا أنهم أصحاب قضية, وليسوا رعاعاً, فقد تزعموا حركة المقاومة الشعبية في العواصم العربية, مثل بغداد ودمشق والقاهرة, ضد الغزاة والمحتلين, بينما كانت الأنظمة السياسية تنهار, وكانت الطبقات العليا من التجار وأصحاب المصالح الاقتصادية, تهادن المحتل خوفاً على مصالحها.
وحتى إلى تاريخ قريب, كانت هذه الفئة من القبضايات والفتوات, هي ذراع الخير الذي ينصف المظلوم, ويقاوم ظلم تسلط أصحاب النفوذ على أبناء الشعب من البسطاء, ويسهم بشجاعة في الدفاع عن بلاده.
وإذا رجعنا إلى مدلولات لهجاتنا المحلية عند وصف العيارين, نجد أنها إدانة محببة, فعندما نقول:" يا عيار", لا نعني بها سبة, مثلما نصف الطفل بأنه "شيطان", فالعيار بالنسبة لنا, لا يمكن أن يكون مجرماً أو إنساناً سيئاً, بل قد يكون محبباً قريباً من القلب.




[1] رجب النجار "الشطار والعيارين"

Sunday, August 23, 2009

التوجيه الأسري



حسناً فعلت الجهات المختصة في الكويت, بسن تشريع يجبر المقدمين على الزواج على الفحص الطبي, فذلك من شأنه وقاية الأسرة من الأمراض الوراثية والأمراض الجنسية.
فالأسرة كيان أساسي في المجتمع, وصحة أبنائها إحدى واجبات هذه الأسرة, وقد أثبتت الاحصائيات العالمية أن عدد الأطفال الذين يولدون بمرض الإيدز في تزايد, بسبب من حمل أحد الأبوين لهذا الفايروس, كما أن نسبة الإعاقة الفكرية, خاصة في دول الشرق, واضحة بسبب من زواج الأقارب والإصرار عليه.
لكن موضوع الفحص الطبي, يحتاج إلى حملات توعية, في المدارس والجامعات, ووسائل الإعلام, وكذلك جعل ورقة الفحص الطبي للزوجين, وثيقة مرادفة لوثيقة الزواج, وإجبار من يعقد القران "المأذون", على عدم إتمام العقد من دون ورقة الفحص.
لكن الفحص الطبي, ليس هو الضرورة الوحيدة لإتمام الزواج, بل يجب على من ينوي الزواج التوجه إلى مكتب للتوجيه الأسري, أو لعيادات الاستشارات النفسية والاجتماعية, للتأكد من الاستعداد النفسي للزوجين, وخلوهم من المخاوف والأفكار الخاطئة تجاه الزواج والعلاقة الزوجية.
فمن المعروف, خاصة في دولنا وفي المجتمعات المتخلفة, غياب التربية والثقافة الجنسية, وأن مصادر التعلم أما معدومة, وأما لا يعول عليها علمياً, مثل الأهل والأصدقاء والانترنت.
فمن المشكلات الشائعة عند الفتيات حديثات الزواج, هو ما يسمى بالتشنج المهبلي اللاإرادي أو Vaginismus, وهو إنقباض عضلات المهبل عند الإيلاج, أو بمجرد التفكير بالمعاشرة الزوجية, وعند الشباب ما يسمى بضعف الانتصاب النفسي, وسبب هذه المشكلات هو التربية الخاطئة, التي تركز على العيب والخطأ والحرام, دون توضيح علمي متسامح, أو دون تخويف مبالغ به, كما ينشأ خوف لدى الفتاة من آلام المعاشرة الجنسية والولادة, وعادة في هذه الحالة تتم إزالة غشاء البكارة بواسطة الطبيب, وحتى إن تم الإيلاج فالمرأة لا تستمتع ولا تصل إلى قمة اللذة طوال حياتها, بل لا تعرف ما هي, وهذا من شأنه أن يسبب مشكلات نفسية خطيرة, وكثير من الفتيات يخشين التعرف على مناطقهن الحساسة, لكن هناك تمرينات خاصة لإرخاء منطقة الوسط والتخلص من المشكلة بواسطة مكاتب التوجيه الأسري أو الاستشارات النفسية والاجتماعية, لكن معظم الأسر تتجه إلى المشعوذين, الذين يشخصون هذه الحالة, على أنها ربط جنسي, بواسطة السحر والجان.
وهناك مشكلات لا تقل أهمية, وهي فهم ماهية العلاقة الزوجية, فاستبدل كثير من الأزواج والزوجات الاحترام والتقدير بمحاولة السيطرة والتملك والعنف والغيرة المرضية, التي يمكن أن تتحول إلى مرض الشك والوهم القاتل أو delusion disorder, المبني على سينايوهات ذهنية خادعة, مثلما حدث مع المطلقة التي أحرقت خيمة العرس في الجهراء, فالغيرة المرضية يمكن أن تؤدي إلى أعمال إجرامية.
ومن المشكلات النفسية البحث عن التطابق, وهو لايمكن أن يوجد, فالزوج والزوجة يأتيان من بيئتين مختلفتين, ويتم التفاهم بينهما على الأمور المشتركة, أو تقديم التنازلات وتفهم اختلاف الآخر, وتقبله بإيجابياته وسلبياته, أو يظل الزوجان يبحثان عن الهالة الوردية, التي كانت موجودة في بدايات الزواج, لكن هذه الهالة تختفي عادة ليحل محلها الاحترام, وحب آخر أجمل من الانجذاب الأول.
ومن أهم المشكلات هو اختلاف المستويات التعليمية, والزواج بسن مبكر, فزواج القاصرات في السعودية وباكستان وافغانستان, يسبب كوارث نفسية, بل وجريمة بحق الطفولة تشبه التحرش الجنسي بالأطفال, وكلاهما يسبب ندوباً نفسية, يواجهها علماء النفس بصعوبة وتسمى trauma, أي الصدمة النفسية الشديدة التي تترك أثرها بقية الحياة.
يصعب في هذه المقالة حصر كل المشكلات النفسية والاجتماعية, التي يجب التقصي عنها قبل الزواج, والتي سببها الجهل في الثقافة الجنسية, وطريقة التربية الاجتماعية الخاطئة, أضف إليها النظرة الخاطئة لمن يزور مكاتب التوجيه الأسري, وعيادات الاستشارات النفسية والاجتماعية.
لا يمر أسبوع إلا ويزورني زوجان حديثا الزواج, يعانيان من مشكلات مثل التي ذكرتها سابقاً, وبعضها يقود إلى الطلاق, فتكون التربية الخاطئة هي قبر الزوجية.

Saturday, August 15, 2009

تشي 3 من 3



أرسلت الحكومة البوليفية فرقة مكونة من 1500 جندي, تساندهم عناصر من وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA, للقبض على 16 فرداً يقودهم تشي غيفارا, ودارت معركة طويلة استمرت ست ساعات, قتل خلالها جميع رفاق تشي, وأصيب هو في ساقه, لكنه ظل يقاتل حتى تحطمت بندقيته أم-2 وضاع مخزن مسدسه, فقبض عليه حياً.
وتم اقتياده إلى إحدى القرى, وضرب وعذب, وظل 24 ساعة على قيد الحياة, ثم أمرت القيادة البوليفية بتعليمات من ال CIA, بإعدامه رميا بالرصاص, ودخل عليه المكلف بقتله, ولكنه تردد لهيبة شخصية غيفارا, فقال له غيفارا:" أطلق الرصاص, لا تخف, أنا مجرد رجل", لكن الضابط خرج دون أن يطلق الرصاص, فعنفه قادته وطلبوا منه أن لا يوجه الرصاص إلى رأسه أو قلبه, حتى يطول احتضاره وعذابه, فعاد وظل يطلق النار على جسد غيفارا, ولكن رقيب مخمور دخل وأطلق النار على جانب غيفارا الأيسر فأصاب قلبه, فمات.
ودفن غيفارا سراً في مكان مجهول, حتى لا يصبح مزاراً للثوار, وقطعت يده لأخذ بصماته, ولكن في عام 1997, أعيد هيكله العظمي إلى كوبا, بعد حملة عالمية طالبت بالكشف عن قبره, ودفن في ضريح كبير في سانتا كلارا, تلك التي حررها غيفارا مع رفاقه, وشارك كاسترو في الجنازة الرسمية.
الآن, وبعد أكثر من أربعة عقود, مازال اسم الثائر أرنستو تشي غيفارا يتردد صداه, هذا النبيل صاحب المبادئ الإنسانية, والذي قتل على يد مخمور, ظل في ذاكرة وضمير كل الشعوب, رغم أنه اثار جدلاً واسعاً لتبنيه الفكر الماوي, المرتكز على فكرة البؤر الثورية, وحرق المراحل, ورغم نصيحة جمال عبد الناصر له, بأنه لا بد من نضوج الظرفين الذاتي والموضوعي لنجاح الثورة, إلا أنه استمر بتنفيذ مبادئه والتزم بها حتى النهاية, قائلاً:" لا يهمني متى وأين سأموت, لكن يهمني أن يبقى الثوار منتصبين, يملأون الأرض ضجيجاً".
هذا المناضل الخالد, سواء اتفقت مع فلسفته النضالية أم اختلفت, لا تملك إلا أن تحترمه, وحتى بعض المواقع الإسلامية, طرحت موضوع "هل يجوز الإعجاب بغيفارا الملحد", لأنه شكل نموذجاً يحتذى به بين الشباب, بمن فيهم بعض الإسلاميين الذين احترموا إلتزامه الأخلاقي بمبادئه, وهذه إحدى السمات التي تجعل الشخصية الكارزماتية تؤثر عبر مرور السنوات, الشخصية التي يجتمع حولها المختلفين.
غيفارا كان مثقفاً, شاعراً, عازفاً للغيتار, مصوراً, ومن هواياته اصطياد الفراشات, وهذه الهوايات التي تبدو للغير أنها هوايات الضعفاء, هي ما يمنحه القوة الكبيرة والصلابة, فالمناضل الذي لا يقدر الفنون والآداب, يسقط سريعاً, وينتهي من ذاكرة الشعب, لأن البوصلة النضالية للمناضل هي الحب الكبير, وأظن أنه هو من قال:" رغم خوفي من أن أبدو مثيراً للسخرية, لكن دعني أقول أن الثوري الحقيقي يهتدي بمشاعر حب عظيمة".
وحتى صورته الشهيرة, التي صورها المصور "كوردا", بشعره الطويل ولحيته والبريه الشهير الذي يميزه, حتى هذه الصورة أصبحت رمزاً وكأنها علامة تجارية للاحتجاج والرفض, واستغلتها الكثير من الشركات, التي كانت ترفض فكره, فوضعتها على القمصان والقبعات, وعلى الساعات والملصقات, فلا تكاد تخلو غرفة شاب أو سيارته من هذه الصورة.
وتعكس هذه الصورة وجه غيفارا, وكأنه قديس بعينيه الحزينتين, الغارقتين بالغموض الساحر, وقد تكون أشهر صورة لأي ثائر أو مناضل على مر التاريخ, كما أن طريقة موته الأسطوري, جعلت منه شهيداً للمبادئ النبيلة, التي يؤمن بها جميع البشر.
كان غيفارا روبن هود عصري, أثار قرائح الشعراء من جميع الجنسيات ليكتبوا عنه قصائد ومراثي, ومنهم شعراء عرب, مثل أحمد فؤاد نجم في قصيدته المشهورة "غيفارا مات", والشاعر عبد الرحمن يوسف وقصيدته "على بعد خلد ونصف", والشاعر عبد الوهاب البياتي وقصيدته "عن موت طائر البحر".
مات غيفارا وترك خلفه دروساً وعبر للمناضلين والوطنيين, منها ضرورة التثقيف, والصدق والنزاهة والأخلاق النبيلة في حياتهم اليومية, البعد عن الذاتية والشخصانية, الروح الفنية والإبداعية, لا الجمود العاطفي والفكري هو ما يصنع المناضل الحقيقي, فالصلابة لا تتبدى بالقسوة وموت المشاعر, ولكنها تتبدى بالحب.
أليست الحياة مثيرة للسخرية, أن يتكرر الأمر بشكل دائم, ويموت الحر على يد مخمور؟!! يموت الفارس على يد لص وضيع؟!!