Saturday, January 30, 2010

الحياة



الحياة جميلة, وتجربة تستحق أن تعاش, وأستغرب من المدبرين عنها, والرافضين لها, وأعجب من المتكابرين عليها, وعلى عطاءاتها السخية, ففي الحياة جمال باذخ, من ينكره هو أقل تواضعاً وأدنى إنسانية, هو عنيد ومكابر ومغرور, أو جاهل فخور بجهله, أما الحياة فلا تلتفت على أحد, ولا تنتظر المتخلفين عنها, فقط تسير بثقة, ناثرة بهاؤها على الناس, ومن أراد فليلتقط هذا السحر وهذه الفتنة, ومن لم يرد, فليظل قابعاً في مكانه, أو فليعش في لحظة ماضية, ويرتدي رداءً بالياً.
الحياة تطرح علينا مجازات رائعة الذكاء, كألغاز وأحجيات الأطفال, نعيد اكتشافها مرة بعد مرة, وندهش في كل مرة من الإمكانات المخبأة, ومن المفاجأت السارة, كاكتشاف البحار للؤلؤة, بعد فلق المحار واحدة تلو الأخرى.
اللؤلؤة هي مكافأة الحياة لنا, والتي لا تشبه سحب اليانصيب, فمن يسعى للسعادة سيجدها, بعد تفكيك المجازات, نحن نبحث عن مفاتيح السعادة, وهي في جيوبنا, ولا يحتاج الأمر أكثر من مدة يد, نحن نسعى للحياة ولا تسعى إلينا, والحب هناك, ينتظر.
نحن من يعلن الحب ويشنه بضراوة, مدركين للمخاطر, كما يدركها البحار وهو يرتاد البحار, ويغوص فيها سعياً للكنوز المخبوءة, التي يعرف أنها هناك, بانتظاره, والحب الذي نرتاد, هو طوع القلوب الجسورة, نذهب إليه بملئ إرادتنا, ولا يأتينا بمجرد التمني, والخيار لنا, أما أن نكون طيوراً في الأعالي, أو نكون سحالي في الجحور, أما أن نكون أشجاراً شامخة مثمرةً, أو نكون طحالب طفيلية.
وأتذكر مقولة والدي التي كان يرددها:
- "يا أما أنك مع الطير هام, وإلا ترثع بك الحياة".
في الحياة, نتعرض إلى صعوبات ولحظات ألم, ونفقد أعزاء, لكن كل ذلك هو جزء من أحجية الحياة الكبيرة والعجيبة, التي نقوم بتركيب أجزائها, فتكتمل وتتوضح معالمها, ويأتي بعدنا من يضع أجزاء أخرى في الأحجية اللانهائية.
والحكمة ليس أن نعرف كل شيء, بل الحكمة هي كلما أوغلنا في الدنيا, أدركنا حجم قصور معرفتنا, وأن علاقة الزمن الذي نعيشه بالمعرفة, ليس علاقة شرطية, فالحكمة هي أن نعرف أننا لا نعرف, وأننا في سيرنا نغفل عن جوانب الطريق وإشاراته, ونهدر أوقاتاً ثمينة في صغائر لا تضيف لنا, بل تنهكنا وتشوهنا في نهاية المطاف, فندرك متأخرين كم كنا مكابرين وسطحيين.
أن نقبل على الحياة يعني أن نقبل على الحب, على الاحترام, وحب واحترام أنفسنا يأتي في المقدمة, حتى وإن اضطررنا إلى الاعتذار للحياة, عن سوء فهمنا لها, على مكابرتنا وانتفاخنا بالفرص الضائعة.
التعالي على الموت, هو تعال على الحياة ومفرداتها, وقراءة خاطئة لكتاب الحياة, أو إغفال للوحاتها الإرشادية, وتيه في الطريق, وضياع للوقت.
فهل نحزن للفقد, أم نكون ممتنين لوجود الراحلين في حياتنا, الذين علمونا كيف يكون الحب, وكيف تكون الحياة؟ الذين علمونا أن كل الأشياء العظيمة, هي عظيمة في بساطتها, واضحة في بداهتها, ولا تحتاج لإدراكها, وكشف سرها أكثر من التواضع.
الحياة هي أن نتأنى, ونترك خيارات التعلم مفتوحة, دون مكابرة, دون رفض متباه, وغرور بالقليل الذي نعرفه, ونتعلم شرف الاعتراف بالجهل, وانسياقنا في طريق لا يؤدي للحب.
تلك فضيلة الراحلين, الذين ينيرون بصيرتنا, ويعرون غرور جهلنا, ويتركوننا دون وعظ وإرشاد, لنواجه الحياة, في نقطة تقاطع الطرق, محملينا مسؤولية الخيار.




Saturday, January 23, 2010

الثقافة ضمن خطة التنمية



بعد موافقة مجلس الأمة على خطة التنمية, التي تقدمت بها الحكومة, انتاب الشعب الكويتي شعورين متناقضين, شعور بالغبطة لعودة البلد إلى السكة السليمة, إلى طريق التنمية التي انتظرها لسنوات, وشعور آخر بعدم اليقين, وذلك لاختباره أعوام طويلة لعدم جدية الحكومة, ولبيعها السمك في البحر للمواطنين كما يقال, ووعودها التي ظلت مجرد بيع أوهام وكلام.
ولكن بسبب جوع الناس للعمل الحكومي الجاد, وتوقها لإعادة النظارة للكويت, وإعادة الاعتبار لمكانتها في وجدان الكويتيين, الذين اعتادوا نهضة بلدهم بشكل مضطرد, وفاخروا بهذه النهضة عند جميع الشعوب, فبسبب هذا الانتظار الذي كاد أن يكون عدمياً, وبلا أفق, اغتبط الشعب لهذا الخبر, حتى وإن كان وهماً أو سمكاً في البحر.
صحيح أن أعضاء مجلس الأمة, الذين لم يكونوا ضمن الورش التنموية, في المرحلة النهضوية للكويت, ساهموا بقلة شعورهم بالمسؤولية, وبسبب أولوياتهم المصلحية الذاتية, وأجنداتهم المتخلفة, في عرقلة خطط التنمية, وانحراف الكويت عن مسار البناء والتقدم والحداثة, لكن الحكومة أيضاً بضعفها وجزعها من الأصوات العالية, وهلعها من التهديد والوعيد, ساهمت في طمس طموحات الشعب, وانغمست في إرضاء النواب, على حساب مصالح الشعب الحيوية.
أن اي مشروع تنموي جاد يؤسس لبنى تحتية, أو يطور من الخدمات الأساسية, سيكون محل ترحيب وتصفيق من قبل الناس, الذين سئموا من تداعي وطنهم كعمارة قديمة بالية, ملوا من التراجع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي, على مر السنين والعقود.
في ظل هذه النشوة, نرجو أن لا تغفل الحكومة عن واحدة من أساسيات النهضة, التي جعلت الكويت تكتسب مكانتها المرموقة بين الدول, وأقصد التنمية الثقافية التي لا يمكن ذكر الكويت من دونها أو إغفالها, فالثقافة هي ما أكسبت الكويت تقدير الشعوب لها, وهي علامتها الفارقة عن الدول التي تمتلك النفط مثلها, وهي ميزة كانت الكويت تمتلكها حتى قبل النفط, وهي الصبغة التي طبعت نموذج الإنسان الكويتي, والشخصية الكويتية, هذا التميز الثقافي أوصل الإنسان الكويتي إلى نسغ الحياة السياسية والاقتصادية المتحضرة, إلى النهج التنموي في كل المجالات, ومنها النظام والممارسة الدمقراطيين.
لم تكن الكويت ستصل إلى تلك الحقبة النهضوية, لولا الأجواء الثقافية المكونة لعقلية الشعب, والنفط ساهم في تأصيل التنمية والتحديث, حيث الإنسان أولاً, وتليه المباني.
في النهضة الأولى, بنيت المسارح في كل منطقة سكنية, مثل كيفان والشامية والدسمة, وانتشر التعليم الحديث, وقضي على الأمية, وانتشرت المطبوعات الثقافية والفكرية, وأنشأت رابطة الأدباء وجمعية الفنانين, وجمعية الفنانيين التشكيليين, ولاحقاً أنشئ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وقدم ما لم تقدمه وزارة ثقافة عربية, وجرى الاهتمام بالفنون والآداب, وكل ذلك ساهم بدفع مضاعف لمسيرة التنمية, وساهم في وقوف الشعوب مع الكويت إبان الغزو عليها عام 1990, وبلغت سمعة ومكانة الكويت, هذا البلد الصغير, إلى مستويات تفوق حجمها وتاريخها الحديث.
لم أطلع على تفاصيل الخطة التنموية الأخيرة, وأرجو من أن يكون الشيخ أحمد الفهد, قد استمزج آراء المثقفين والأدباء والفنانين, واطلع على تفصيلات كثيرة قد تخفى عليه, فيما يخص التنمية الثقافية, وضرورتها عند وضع أي خطة تنموية, وأهمية الثقافة بالنسبة إلى دولة الكويت وإلى الشعب الكويتي.
والتفاصيل كثيرة, تبدأ من تعليم يواكب تطورات العصر, وتنفيذ المشاريع الثقافية المعطلة منذ سنوات, مثل مسرح الدولة, وتفعيل دور المتاحف, وتنشيط التنقيب عن الآثار, ودعم الأدب والأدباء, ودعم الفن والفنانين, وتجديد مباني أنشطتهم الآيلة للسقوط, والتي يجب أن تواكب حجم النشاط والمكانة, وتضاعف أعداد الأعضاء خلال السنوات المنصرمة.
هناك تفصيلات كثيرة في الجانب الثقافي, يمكن تضمينها في خطة الدولة التنموية, وإذا أراد الشيخ أحمد الفهد الاطلاع على أهمية الثقافة بالنسبة للكيان الكويتي والإنسان الكويتي, فأنصحه بقراءة كتاب الدكتور خليفة الوقيان "الثقافة في الكويت.. بواكير واتجاهات", وكتاب آخر أصدره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, بنفس العنوان تقريباً, وكتب أخرى لكتاب كويتيين وعرب.

Sunday, January 17, 2010

إلى اين؟





في الفترة القليلة الماضية, خرجت الأمور السياسية عن السيطرة, وانحرفت الممارسة الدمقراطية عن مسارها, واستغلت استغلالاً ليس في مصلحة الشعب الكويتي, وطغى الخاص الفئوي على العام الوطني, واستبدل مفهوم ماذا نعطي للوطن, بمفهوم ماذا يعطينا الوطن, حسب تعبير جون كيندي.
هذه الفوضى التشريعية, كشفت عن معدن بعض نواب البرلمان, وموقفهم اللامبالي من قضايا التنمية, ومستقبل أجيالنا, وتخلوا عن أمانة القسم حيث ينص على "اقسم بالله العظيم, أن اكون مخلصاً للوطن وللأمير, وأن أحترم الدستور وقوانين الدولة, وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله, وأؤدي أعمالي بالأمانة والصدق".
في التشريعات والقوانين الأخيرة, تم نقض كل القسم وليس أجزاء منه, فلا إخلاص للوطن, ولا احترام للدستور وقوانين الدولة, ولا ذود عن حريات الشعب أو مصالحه أو أمواله, ولم تتم الأعمال بالصدق.
فقانون اسقاط فوائد قروض بعض المواطنين, فيه هدر كبير لأموال الشعب, وفيه عدم احترام للدستور الذي أرسى دعائم العدالة والمساواة بين المواطنين, وحض عليها, وفيه استهتار وعدم مبالاة للتنمية ومستقبل الوطن, فيه كسب آني رخيص, مقابل خسارة كبيرة لثروات الشعب ومستقبل الكويت.
وانتهج المشرعون في سبيل تحقيق غاياتهم, كل السبل الكلتوية بما فيها الفتاوي الدينية, لتحقيق نصرهم المؤقت, وإرضاء ناخبيهم, رغم كل الآراء الاقتصادية ذات الثقل في التحليل, ومن ضمنها بيان غرفة التجارة والصناعة, ورأي البنك المركزي الكويتي, وآراء الثقات والمخلصين من المسؤولين والكتاب, إلا أن هذه الآراء قوبلت بالاستهزاء والهجوم والطعن, بل والتطاول على رموز التجار وصندوق الأجيال القادمة.
هؤلاء المنتشين بالتصفيق, راحوا أبعد من ذلك, فقابلوا صاحب السمو الأمير, كي يقنعوه بعدم ممارسة صلاحياته برد القانون, هكذا! استغلوا كل شيء, من الدمقراطية, إلى العلاقة الأبوية التي تربط الأمير بالشعب.
وهذا السلوك بالذات, والغريب على رجالات الكويت من المشرعين, جعلهم يحركون الشارع, ويتوعدون بالزحف على وزارتي الداخلية والإعلام, ويلعبوا على نغمة الوحدة الوطنية, من أجل تنفيذ أجندة خاصة, وتحقيق نصر شخصي, كان سلوكاً يهز الضمير الوطني ويزعزع الأمن الاجتماعي, كل ذلك من أجل كسب رخيص.
وهذا السلوك الغريب بالذات, هو ما جعل الحكومة تعد قانون انقلاب على الحريات, وهي أثمن ما حصل عليه الشعب, بل أثمن من النفط نفسه, ولم تكن الحكومة لتجرأ على ما سمي تعديلات على قوانين المرئي والمسموع, لولا هذا السلوك الغريب, والتهديد والوعيد باستخدام سلاح الاستجوابات, إذا لم تقفل الحكومة القنوات الفضائية المنتقدة لهم, بحجة الوحدة الوطنية, التي شرخوها بفوضى التشريع, وبالسلوك الغريب على المجتمع.
نحن في بلد يحاول إعادة بناء مؤسساته ومكتسباته التي تقوضت, مثل ضرورة إعادة بناء التعليم وإعادة تأهيل الإنسان الكويتي, نحن في حاجة إلى التوعية وتطبيق القوانين للحد من السلوكين الاستهلاكي والاتكالي, نحن في حاجة للعودة إلى شعور الأمان والاطمئنان على مستقبل ابنائنا, وليس لعكس ذلك.
إذا حنث شخص بالقسم, فلن نثق في المستقبل به, حتى لو حلف بأغلظ الأيمان, وصدقوني فإن الناس لا ينسون من تخلى عنهم, ولا ينسون من وقف مع قضاياهم الوطنية.

Saturday, January 9, 2010

الإبداع حياة



هل الإبداع شيء صعب؟ ربما على غير المبدعين والموهوبين, وذو الخيال المحدود, الذي يكون أداؤه في حدود ما يعرفه وتمرن عليه, فهو صانع وليس خالق أو مبتكر.
عندما أقرأ أن أحد الأدباء قضى خمسة عشر عاماً في كتابة رواية, أفكر أنه يعمل في بحث أو دراسة, وليس عملاً إبداعياً, ومع الاحترام للجميع هذا الأديب ليس لديه قدرات على الخلق, أو لا يعرف كيف يتكون الإبداع, أو يكتب ببطئ شديد.
الإبداع لحظي الولادة وتلقائي دون تخطيط وهندسة, كما أنه لا يشبه الوظيفة التي يمكن أن نتركها أو نتقاعد عنها, فالإبداع بالنسبة للمبدع هو الحياة ذاتها, ونهاية إبداعه يكون بنهاية حياته.
كما أنه ليس للإبداع وحي أو إلهام, هناك استثارة سمعية أو بصرية أو حسية, تبدأ معها أو تستدعي مخزون المعرفة والخبرة في الدماغ, ليوضع بصياغة جديدة, سواء كان موسيقى أم أدب أم تشكيل فني.
صحيح أن القراءة هي وقود العقل, لكن العقل لايغتني بالمعلومات فقط, ولكنه يغتني أكثر بالخبرة والتجربة, فالحياة ذاتها وطرق إدراك تفاصيلها وزوايا رؤيتها, وإعادة صياغة هذه التفاصيل, هي ما يميز المبدع, ولذا لا أفهم أن يقول المبدع أنه كبر ولم يعد لديه ما يقوله, فالإبداع لا يجف, ولكنه يغتني مع استمرار الحياة, فكلما كبر الإنسان كلما ازداد إبداعاً, ما يضعف مع تقدم العمر هو طاقة العمل وليس الرؤية الإبداعية.
والمبدعون مثلهم مثل بقية البشر, يمكن أن يكونوا محدودي الفكر وبالتالي الإبداع, أي يتأثرون بالحدود الذهنية التي يضعها المجتمع, رغم أنه من الناحية العلمية, العقل لا حدود له, لكن المجتمع وقوانينه وعاداته وتقاليده هي ما يحد العقل, وعندما يفكر المبدع بأن ذلك يجوز وذاك لا يجوز, يتوقف عن الإبداع, وكذلك المبدع الذي يراعي آراء النقاد, يفقد لحظة السحر الإبداعي, وتخلف المجتمع قد يحد من تمرد المبدع, ومن كسره للقيود الاجتماعية الذهنية.
كما أن المبدع الذي يكتب ويشطب كثيراً, ليس مبدعاً, قد يكون صانعاً أو تقنياً, فالإبداع يتدفق مثل السيل الذي لا يتأمل طريقه, ولكنه يتدفق ويسير فقط, فأي اعتبارات ذهنية يضعها المبدع, تفقد الإبداع قيمته الإبداعية, فيتحول الشعر إلى نظم مثلاً.
ولأن الإبداع يأتي من العقل الباطن, فهو لا يخضع للمقاييس والمعايير, لأنها من اختصاص العقل الواعي, فهو المختص بالنقد والحدود الاجتماعية والكلام والأرقام, أما العقل الباطن فهو مختص بالصورة أي الخيال والشعور.
الإبداع إدمان وحالة من عدم الإشباع الدائم, فالمبدع يشعر باللذة لحظة الإبداع, وحالما ينتهي يجوع مرة أخرى ويتوق إلى لحظة مماثلة, أو ما يسمى بالإنجليزية craving أي شهوة أو رغبة لا تقاوم, يؤدي عدم اشباعها للألم الذهني والشعوري.
وغير صحيح بتاتاً أن ما يستثير العقل الإبداعي هو الكحول والمخدرات, بل العكس تماماً, فالكحول والمخدرات تطمس مصادر الإبداع لدى الإنسان, فالمبدع لا يحتاج إلى مستثير خارجي كي يعيش خارج الواقع, وأي تحفيز هو لحظة يبني بعدها العمل الإبداعي بما يشبه الغياب عن الوعي.
إذن الإبداع لا يحتاج إلى زمن طويل لخلقه, فالإنسان يستطيع رسم لوحة أو تأليف مقطوعة موسيقية وكتابة رواية, في زمن قصير جداً, فاللوحة هي ضربة الفرشاة التلقائية, والمقطوعة الموسيقية هي النغمة الأولى, والرواية هي المشهد الأول أو الجملة الأولى, ولكي تستمر وتكتمل لا تحتاج إلى سنوات, فأفضل الروايات هي ما كتب خلال أيام أو اسابيع قليلة.

Saturday, January 2, 2010

عام جديد / أمل جديد



حل علينا عام جديد, فدخلنا حقبة زمنية جديدة, واصبح عام 2009 ماضياً, والإنسان لا يستطيع تغيير الماضي وما حصل به, فما حدث قد حدث وانتهى, ولن يفيده قلقه على المستقبل, فإن عاش يجتر الماضي عطل حياته الآنية, وإن قلق على المستقبل عطل حياته الآنية, فنحن اليوم هو ما فعلناه بالأمس, وما نريد أن نحققه في المستقبل يجب أن نعمل عليه اليوم.
فقيمة الماضي تكمن في التعلم من دروسه, والنهوض من عثراته, والاستفادة من عبره, كي نتقدم ونحقق أهدافنا, ونصبح بشراً أفضل, فقد ازددنا عمراً أكبر واكتسبنا حكمة أكثر, فعمر الإنسان قصير يقاس بسنوات معدودة, ولا يقاس بالقرون, وفي خلال هذه السنوات القليلة نرتكب الأخطاء والحماقات, ونمر بحالات من الضعف, لكن هذا ما يميزنا كبشر, الخطأ والضعف, ومن غيرهما نصبح آلات.
صحيح أننا لا نحتاج إلى عام جديد, حتى نتعلم ونعدل من مسارنا, فكل يوم هو أول يوم في بقية أعمارنا, ونستطيع البدء فيه من جديد, يدفعنا الأمل والرغبة في تحسين شروط حياتنا مادياً ومعنوياً, وبطريقة منهجية وغير عشوائية, فكل خبرة أو مهارة نكتسبها, هي إضافة وتراكم يؤدي إلى تغير نوعي.
لكننا كبشر, نستغل هذا الفاصل الزمني بين عامين, كي نتوقف لتقييم حياتنا وسنوات عمرنا المنصرمة, ونضع أهدافاً لتطورنا في الزمن القادم, كي نصبح أكثر سعادة واستقرار, واضعين في اعتبارنا أننا لن نعيش للأبد, وأن ما سيتبقى بعد فنائنا هو سمعتنا وذكرانا وما قدمناه من خير لأنفسنا ولوطننا وللآخرين, وما أنجزناه وساهمنا به مع بقية البشر, أياً كان منطلقنا الفكري, وفلسفتنا الحياتية, فأما هذا وأما النسيان والتلاشي, فأما أن نكون فتيل الزيت المنير لأبنائنا وللأجيال القادمة, وأما غياب الذكر أو لعنات التاريخ, فللتاريخ لوحة شرف وحاوية قمامة, وعلينا أن نختار مكاننا في الذاكرة القادمة, في السنوات التي لن نعيشها.
الأصل في تقدم الزمن, هو التقدم في الوعي وتراكم الإنجاز, والانتقال من نقطة سفلى إلى نقطة أعلى, أما النكوص والردة والتراجع فهي ضد منطق التاريخ, وضد سعادة البشرية, وتعني أننا لم نكن أذكياء ومدركين لدروس الزمن, أو تعني أننا أشرار, نتعمد الأذى للآخرين ولوطننا.
فبشكل منطقي, ينتقل الإنسان إلى فهم ووعي أفضل مع مرور الزمن, لكن إن حدث العكس, فذلك يعني أما أنه أصيب بعطب في قدراته العقلية, أو أنه انتهازي أو غير قناعاته وانحاز للشر ضد الناس وضد وطنه.
وفي الحقيقة لم يكن عام 2009م سهلاً على شعبنا وعلى وطننا, وعلى إنجازاتنا التاريخية ومكتسباتنا, وإذا استثنينا الأزمة الاقتصادية الطاحنة, فإننا لن نستثني آلامنا من العبث السياسي وتشويه وجه الكويت على كل الأصعدة, فلم يعد هذا وطننا الذي ألفناه, ولم تعد الوجوه التي ألفناها, والتي حملت راية رفعته موجودة, وحلت محلها وجوه غريبة, تسعى بجهد لتدمير كل مكتسب للشعب الكويتي, وسادت لغة أجنبية مفرداتها البذاءة والانحطاط, وجوهرها التعصب البدائي, ولم تعد الكويت أولاً, بل أصبحت القبيلة والطائفة هما الأساس والكل, وأصبح الطواف حولهما فضيلة ونضالاً, وكلما حاولت الكويت أن تنهض رغم جراحها الثخينة, عوجلت بضربة على الرأس, وطعنة في الظهر.
وحتى من حاول وضع لبنة للبناء في الماضي, هشم بمطارق الغباء والانتهازية ما بناه, حتى لم يعد للكويت أبناء بررة, واستخدموا نفس لغة البناء في الهدم, استخدموا الدمقراطية والحرية والتقدم, لهدم الدمقراطية والحرية وأمل التقدم, واستبسلوا وتناخوا من أجل ثلاثة ملايين دينار مسروقة من الشعب, ليهدروا أكثر من مليار دينار من ثروة الشعب, دافعوا عن الحريات بتكميمها, وسرقوا البسمة من شفاه الشعب.
وأستذكر كلمة الوطني المخلص الراحل سامي منيس "وين رايحين؟", الذي يشعرنا برحيله بالفقد, وأستذكر الراحل عبد العزيز الصقر, وكل رجالات الكويت الذين اختاروا لوحة الشرف المعلقة على صدر الوطن, ولم يختاروا الطريق الآخر.
عام مر أثخن الوطن خلاله بالجراح, وعام قادم لا نملك معه إلا الأمل والصحوة ونهضة الضمير, والتوبة عن الجرائم بحق الوطن والشعب, وكل عام ونحن كويتيون.

Saturday, December 26, 2009

هل تغير الشعوب عاداتها؟



الإنسان عبارة عن مجموع عاداته، والعادات هي عادات يمكن أن تكون سلوكية وذهنية، وعندما يمارسها الإنسان كثيراً أو يتمرن عليها، تصبح جزءً من شخصيته، سواء كانت عادات سلبية أم إيجابية، وهذه العادات يكتسبها الإنسان في كثير من الأحيان بشكل تلقائي، حسب ما يتداول في أسرته من أفكار وقناعات وسلوكات، وأحياناً تلعب المدرسة ويلعب الشارع والإعلام دوراً في اكتساب القناعات والعادات، وأحياناً تكتسب العادات بشكل منهجي وتلقيني، فيقوم الوالدان أو تقوم المدرسة بتعليمها عن قصد.
ومن العادات التي يكتسبها الإنسان، تلك التي يعكسها سلوك وأفكار الأهل، وتشكل مثال للطفل، ويتشرب أو يتأثر الطفل بهذا المثال سلباً أو إيجاباً، وتشكل جزءً من شخصيته، دون وعي من الأهل عن مدى تأثير ذلك على الأبناء.
ويصبح السلوك عادة, وتصبح الفكرة عادة عندما تكرر كثيراً, فتصبح أوتوماتيكية, مما يصعب مقاومتها أو تغييرها, ويتعامل الإنسان مع عاداته وكأنها أمور قدرية, لا مناص ولا فكاك منها, فيقال "بوطبيع ما يغير طبعه", والعادة قوية جداً, وقد يكون تأثيرها أقوى من تأثير الدين, بل يتم في كثير من الأحيان عند كثير من الشعوب, وفي كثير من الأديان تطويع الدين للعادات, ومع مرور الوقت يعتقد الإنسان أن عاداته الاجتماعية هي من صلب الدين, حتى لو كانت مخالفة للدين.
فكل الأهل مثلاً يحبون أبناءهم، ويربونهم بالطريقة التي يعتقدون أنها صحيحة، ولكن أساليبهم تكون لها انعكاسات سلبية، مثل ضرب الوالد لولده وقسوته عليه حتى يصبح رجلاً، النية هنا سليمة، لكن الأسلوب خاطئ، مثل حماية الأم الزائدة لأبنائها، هنا نيتها سليمة، لكن تأثير ذلك سلبي على المدى البعيد، مثال آخر على الأم المتسلطة، التي تحمي أبناءها بالإجبار، مثل اختيار الدراسة، اختيار الزوجة، اختيار الأصدقاء.
وردود الفعل للتربية تختلف عند الأشخاص المختلفين, فالضرب والقسوة قد يخلقان شخصية ضعيفة فاقدة للثقة, وقد تكون لديه ردة فعل عكسية, مثل العنف وبلادة المشاعر, أما الحماية الزائدة للأبناء فتكمن خطورتها بأنها قد تنتج أبناءً اتكاليين ضعفاء في مواجهة الحياة ومتطلباتها, غير منتجين وغير مبدعين, وأما التسلط وخاصة من الأم, فيمكن أن ينتج عن ذلك ردود فعل عكسية, أي يقوم الشاب بكل السلوكات التي تناقض ما تربى عليه, أو فرض عليه بالتربية, وكأنه يستمتع بكسر القوانين, حتى وإن كان ذلك بالسر, فالتشدد الديني بالتربية, قد يدفع الأبناء للانحراف, أو على الأقل مخالفة هذه التربية.
لكن الأغرب في تأثير مثل هذه العادة, أن الشاب الذي نشأ على تسلط الأم, قد لايختار إلا زوجة تشبه أمه في تسلطها, ولا يشبع ذهنياً وشعورياً إلا بتسلط زوجته عليه, رغم رفضه الظاهري لتربية أمه, وهنا تكمن البرمجة الذهنية التي تعطي للبشر سماتهم, وهذا يعني أن منطقهم يناقص قناعاتهم أو عاداتهم القاهرة والأوتوماتيكية.
وتتسع دائرة التربية, لتشمل القبيلة والمجتمع, وبعد مرور مئات السنين, تصبح العادات الذهنية وكأنها سمة من سمات المجتمع أو الشعب, فتوصف بعض الشعوب بالبرودة العاطفية, وبعضها بالخضوع, وبعضها بالدموية, وبعضها بالغش, ..الخ, لكن كل ذلك ما هو إلا السائد والظاهر فقط.
لكن حسب العلم, فإن الإنسان قادر على تغيير عاداته وأطباعه, في أي مرحلة من مراحل حياته العمرية, دون انتظار للتغير البيئي مثل الحيوان, إنما بمنهجية وتوجيه وتدريب, وكثير من الشعوب غيرت أطباعها عبر الزمن, ولكن بتوجيه هادف ومقصود من الدولة والنظام والمؤسسات, فهل العادات الأوربية هي نفسها قبل مئات السنين؟
ولأن العادات والسلوك والقناعات هي جزء من ثقافة المجتمعات, فبالامكان تغييرها وتطويرها, فما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمع والشعب, فالشعب الذي اعتاد تفرد حكامه بالقرار, لن يتحول في يوم وليلة إلى ممارس للدموقراطية, ولكنها مع التربية العامة, ومع التكرار ستصبح جزءً من العادة والطبع.
كان ذلك جانب من نقاش خلال ندوة قدمتها, وأصر خلالها كثير من الحاضرين على أننا شعوب لن نتكيف مع الدمقراطية, وأن تكويننا يختلف عن تكوين الشعوب الأوربية, وكانت قناعة بعض المثقفين, أن "بوطبيع ما يغير طبعه", حتى بعد مرور آلاف السنين, فموروث ثقافتنا ما زال منذ أيام الجاهلية, وأترك لكم التفكير في هذا الأمر
.

Saturday, December 19, 2009

أعداء النور




كلما استبشرنا خيراً بصحوة الحكومة, واستنهاضها لنفسها, واستعادة هيبتها, كلما قابلتنا بالخذلان, وتركتنا لقمة سائغة للمتخلفين من أعداء النور والحرية, أعداء التقدم والتنمية.
فالشعب الكويتي الذي استبشر خيراً بمواجهة الحكومة, لاستجوابات استعراض العضلات, والانتقاص من هيبتها, سعياً إلى تدمير مكتسبات الشعب, وفرض دولة داخل دولة, وجد أن انتصار الحكومة لم يكن انتصاراً للشعب, وآماله باستعادة دولة المؤسسات المدنية, ولكنه كان انتصار هش وضعيف, فقط لتضمن عبره استمرارها, وتبييض وجهها, وكأنها تعمل لنفسها وليس من أجل شعب يتوق منذ عقود لاستعادة حريته وكرامته, التي سلبها أنصار التخلف.
إن العار الذي ارتكبته الحكومة, برضوخها لنواب الإسلام السياسي, ومنع مفكر من دخول الكويت, هو عار سيحمل وزره الشعب الكويتي, الذي اعتاد احتضان المفكرين, على اختلاف مشاربهم وآرائهم منذ أكثر من قرن, مثل محمود أمين العالم وفؤاد زكريا وعبد الرحمن بدوي, عار على كويت الثقافة والتنوير, التي قدمت للعرب مثالاً ليس له شبيه, في التسامح والدمقراطية, وإثراء الفكر العربي.
إن منع المفكر المصري نصر حامد أبو زيد من دخول الكويت, رغم أنه غير مدان قانونياً, وليس عليه تهمة أو قضية في الكويت, هو إجراء لا تمارسه إلا الدول الدكتاتورية المتخلفة, القامعة لحريات الفكر, وهو إجراء يفقد الشعب الثقة بإمكانية الحكومة وقدرتها على تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري.
أثبتت الحكومة بأنها تخاف من القلة المتخلفة, وأثبتت هذه القلة بأنها تخاف من الفكر المستنير, فهي لم تسعى في يوم من الأيام إلى مواجهة الأفكار بالأفكار, بل سعت دائماً إلى التكفير والإقصاء, لكل ما يخالف فكرها الظلامي.
ولدينا مثال آخر في الأمس القريب, عندما طالبت مجموعة من المشايخ, وسائل الإعلام بمنع نشر فتوى رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة المكرمة, والتي أجاز فيها الاختلاط, ولم تسعى إلى مقارعة الحجة بالحجة, فهذه الفئة لا تعرف معنى الحوار والنقاش, بل ليس لديها أية قدرات فكرية.
الإسلام السياسي الذي أختطف الكويت, وأطفأ نورها الثقافي والعلمي والحضاري, لن يكتفي ولن يتوقف عن عدائه للحرية والتقدم, حتى تتحقق له دولته الإسلامية, ويفرض أجندته على المجتمع بأسره, على الكويت حكومة وشعباً.
ماذا تبقى من الكويت, ومن عزتها وكرامتها؟ إذا كانت فئة قليلة متخلفة, تستطيع منع الشعب من القراءة والإبداع, إذا كانت تستطيع جرجرة الأدباء والمفكرين إلى المحاكم, إذا كانت تستطيع فرض أفكارها الإرهابية على أطفالنا, ومن خلال مناهج التربية والتعليم, إذا كانت تستطيع إعاقة التنمية وإهدار ثروة البلاد, إذا كانت تنتهك الدستور كل يوم باسم الدستور.
استطاعت هذه الفئة المتخلفة, إدخال عشرات الإرهابيين ومثيري الفتن إلى الكويت, دون أن تحرك الحكومة ساكناً, استطاعت تصدير الإرهابيين, لقتل المسلمين والعرب, في أفغانستان والعراق وغيرها من البلدان, واستطاعت تكوين ثروات لدعم القتل والدمار, من خلال مؤسسات وبنوك وجمعيات, كثير منها غير قانوني, استطاعت إيصال نواب للأمة بطرق غير قانونية, وتهدد أكبر رأس في السلطة التنفيذية, دون رادع من حكومة يتطلع إليها الشعب لانصافه.
هل تريد الحكومة كسب أصوات المشاغبين, وأصحاب الأصوات العالية, على حساب شعبيتها؟ هل تفضل رضاء فئة متخلفة على رضاء الشعب الكويتي عنها؟ هل تفضل الحكومة تلطيخ اسم الكويت, واعتبارها حاضنة للتخلف, ومحاربة للحرية والفكر والثقافة؟ هل تريد إلغاء تاريخ الكويت الذي قدمت خلاله أهم المطبوعات الثقافية والفكرية العربية, وقدمت خلاله أرقى المسرحيات والفنون والآداب, هل تريد إلغاء سمة الكويت المدافعة عن الحريات؟ والتي جعلت شعوب العالم تقف معها في محنة الغزو؟
أظن أن الحكومة تقرأ الشعب الكويتي قراءة خاطئة, وتبالغ في تقدير فئة قليلة, أظن أن الحكومة غافلة عن أجندة هذه الفئة, التي تسعى لتشكيل دولة وفرض قوانين, خارج السياق الكويتي, ومخالفة لآمال وطموحات الشعب في اللحاق بالركب الدولي.
من يمنع مفكر من دخول البلاد اليوم, لا يمكن أن يكون جاداً في السعي للتنمية والتقدم, ومن يربي وحشاً في بيته, فعليه توقع أن يلتهمه وأبناءه, ومن يخضع اليوم, يخضع كل يوم
.