Saturday, January 26, 2008

خمسون عاماً من الفخار




لم أقابل مثقفاً عربياً, إلا وقال لي أن ثقافته نشأت مع مجلة العربي, فهذا المشروع الكويتي النبيل, قد أعطى ثماره والهدف منه منذ سنوات طويلة, منذ إنشاء المجلة عام 1958م, وعند التمعن بأي مشروع ثقافي كويتي لا نجد أنه كمالي أو ترفي أو أنشئ للتظاهر الفارغ, ولم يطلق أي مشروع ثقافي كويتي لخدمة الكويت فقط, سواء مطبوعات ثقافية أو مؤسسات مثل المعهدين العاليين المسرح والموسيقى, والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وجامعة الكويت وحتى ثانوية شويخ.
كل مشروع ثقافي صغير كان أم كبيراً, حسبت الكويت بتخطيطها له وإنشائه حساب أخوتها العرب, ولم يكن في الأمر منة أو رغبة بالمديح, بل انطلقت هذه المشروعات من إيمان راسخ بالعوامل المشتركة للثقافة العربية وأهمية تفاعلها, لم يجبر أحد الكويت على التفكير بجدية في الدول العربية الأخرى, لكنها تصرفت بناء على قناعاتها وإيمانها بقضيتها, عندما كانت أكبر عناصر قوتها في تضامنها ومساندتها لبعضها من أجل التنمية والتقدم, ولعل التنمية الثقافية في طليعتها.
وخلال خمسين عاماً رئس تحرير العربي مجموعة من المثقفين العرب البارزين ومنهم كويتيين أفنوا أعمارهم لخدمة الثقافة, واجتهدوا ضمن هدف واحد هو تحقيق رسالة العربي عند إنشائها, أي خدمة المثقف العربي, ولذا سميت بالعربي, ويتغير رؤساء تحريرها وتبقى العربي إحدى الإسهامات المميزة لدولة الكويت في الثقافة العربية.
وعبر كل هذه السنين تغيرت العربي في بعض ملامحها وسياساتها, حسب اجتهاد المسئولين عليها, لكن ذلك لم يغير من قيمتها ومكانتها كمطبوع ثقافي عالي المستوى, يندر وجود مثيله بالساحة العربية, ورغم أن الدعم الحكومي المادي والمعنوي, يقوى ويضعف إلا أنه لم يتم التخلي عن هذا الإنجاز الذي أعطى للكويت مكانة بارزة, ولم يبرز مسئول رسمي واحد عبر نصف قرن من الزمان يقلل من أهمية مجلة العربي.
أنا أفهم أن هناك وجهات نظر متباينة حول شكلها أحياناً أو مضمونها, أفهم أن أي مشروع يتعرض إلى انتقاد وملاحظات, ولكن لا يجب إسقاط الموقف الشخصي من أي مسئول في العربي على هذا الصرح الثقافي, وهذا ينطبق على المؤسسات الثقافية الأخرى, فالانتقادات أحياناً يبالغ بها لدرجة إلغاء كل منجزات المؤسسة أو المسئول الثقافي عنها, وتطغى مصلحة المنتقد الذاتية على مصلحة الوطن, فلمجرد عدم نشر عمل له, سواء كان حقاً أو باطلاً ينعكس ذلك على المؤسسة والمسئول.
ومجلة العربي ليست مجلة للهواة وبريد القراء, لكنها مجلة ذات مستوى رفيع وهذا ما يجب أن يكون, وإذا كنا واقعيين فليس كل من نشر له في جريدة أو طبع كتاباً, يصبح من حقه النشر في أي موقع, ففي المجلات العلمية والثقافية المحكمة ترفض كتابات أساتذة وأكاديميين مهمين, لمجرد أنها لا تطابق مواصفات وشروط المجلة, وأتذكر في سبعينيات القرن الماضي أن الجريدة اليومية كانت ترفض النتاجات الأدبية الهابطة, وترفقها ب"لا يصلح للنشر", بينما تطالعنا صحف اليوم بنصوص ومقالات أدبية, أقل ما يقال عنها مخجلة, بل أن تجربتي التي مررت بها مع مجلة اليقظة التي كان يرأس تحريرها في ذلك الوقت الأستاذ الشاعر علي السبتي, غيرت اتجاهي بالكتابة, فعندما أرسلت قصيدة للنشر, أرسل لي مدير التحرير رسالة مرفقة بالقصيدة وعبارة واحدة " القصيدة ضعيفة, أنصحك بقراءة ألف بيت من الشعر العربي, مقابل كل بيت تكتبه", ومن يومها توقفت عن نشر قصائدي, وبدأت بعدها بسنوات أنشر القصة القصيرة.
نعم هناك أمر آخر, لا يتعلق بمستوى النص أو باسم الكاتب, بل يتعلق بالروتين والبيروقراطية أحياناً, وخاصة أن المجلات ذات الثقل الثقافي تتلقى الآلاف من النصوص ومن مختلف الدول العربية, وكل كاتب نص يعتبر أن نصه مهماً, ولنا في الراغبين بنشر كتبهم في عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني, مثالاً واضحاً, فالمجلة تشكل إغراءً كبيراً للكتاب من الناحيتين المادية والمعنوية, ولذا تنهال عليها مخطوطات من كل حدب وصوب, هذا إضافة إلى الاستكتاب.
ولو راجعنا المجلات الأدبية التابعة للاتحادات والروابط الأدبية في العالم العربي, لوجدنا لديها سياسة أكثر صرامة, وأظن أنه يجب أن توضع وجهات النظر هذه في موقعها الصحيح, فالعربي ليست ملكية خاصة ولكنها مؤسسة عامة رسمية, ويمكن نقل وجهات النظر المختلفة والحوار فيها دون رماح ومتاريس.
في العيد الخمسين لتأسيس مجلة العربي, نبارك للكويت حفاظها على مشروعها الثقافي المرموق, آملين لمن سيحتفل بمرور قرن على تأسيسها, وكلي أمل باستمرارها, أن يعطيها حقها وحق رؤساء تحريرها من التقدير والعرفان.

Saturday, January 19, 2008

عهود الفرص الضائعة





غادرنا عام 2007م وحمل معه ما حمل من انجازات وإخفاقات للبشرية, تاريخ مر ولن يعود, لن يعود منه غير الذكرى والعبرة, والعبرة إلا يكرر البشر عثراتهم أو حماقاتهم, بل يسرعون من نشاطاتهم الهادفة لسعادة الإنسان, أليس هذا هو الهدف الأساسي بغض النظر عن الانتماءات والأساليب؟
في كل العصور الماضية كانت هناك فرص ضائعة لتحقيق سعادة وتقدم ورخاء البشر, لكن تأبى الأنظمة ويأبى تجار العنف والتسلط إلا أن يمارسوا "ساديتهم" بتدمير أحلام الإنسان بكوكب يسوده السلام والمحبة, كوكب عانى منذ البدء من تدمير وقتل ودمار, وسيادة مشاعر الكراهية والحقد والتخلف والتعصب الغبي.
كادت عبر العصور أن تختفي قيمتان إنسانيتان عظيمتان, وهما الحب والاحترام, وتصدرت في أجندة البشر قيم العداء والكراهية ومصادرة الرأي, اختفت قيم البناء وتصدرت قيم التدمير والفناء, حتى على المستوى الشخصي, "أنا ومن بعدي الطوفان", واستحدثت آلاف الوسائل حقيقية وباطلة, من أجل غايات لا خلاف عليها.
ألم تنسكب دماء يوليوس قيصر على أرض البرلمان الروماني, بذريعة الغايات النبيلة But Brutes is an honorable man كما قال مارك أنطوني في رثاء قيصر, كان بروتس صديق قيصر, وعندما جاءت طعنته القاضية, قال قيصر:" حتى أنت يا بروتس؟! إذا فليمت قيصر".
وقد كان نصيب العالم الإسلامي من البشاعة والتدمير كبيراً في عام 2007م, فمن الأشلاء والدماء والحرائق, إلى الإرهاب الفكري ومصادرة الرأي والإبداع, في أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان, وفي كل العالم الإسلامي بلا استثناء, مورست أشكال القهر والإرهاب ومصادرة الحقوق والحريات, أمة لم تستفد من ميراث العقل, وأعط لنفسها سمة الهمجية أمام العالم, أمة حوت متخلفين وجهلة أساءوا إلى دينهم أكثر مما أبرزوه للعالم كدين سلام ومحبة.
ومهما كانت الذرائع, لا يوجد أي مبرر لمصادرة الحريات وحق الإنسان في التعبير والإبداع, فتلك ميزة لكونه بشر, ففي النصف الأول من عام 2007 فقط وحسب منظمة partiy yekititiyia demokrat, ومن خلال بريد أرسله صديق, تحت عنوان "الكاتب العربي بين مطرقة الأنظمة وسندان الأصولية", هناك أكثر من 781 كاتباً وأديباً وصحفياً وأستاذاً جامعياً في العالم, أما مقتولين, أو ملاحقين ومعتقلين, معذبين, أو مختطفين ومفقودين ومنفيين.
بشر يقتلون لمجرد استخدامهم لعقولهم, أو لكتابة ما تفتق عنه إبداعهم وخيالهم, لمجرد صياغة حلمهم وأحلام أوطانهم, بقصيدة أو قصة أو مقالة أو مسرحية أو لوحة تشكيلية, إنسان يضطهد ويقتل لمجرد التفكير المغاير, لمجرد الاختلاف في الرأي.
هل يختلف الأمر هنا؟ على كتف الخليج؟ إطلاقاً, فالإرهاب الفكري ومصادرة حريات الناس ورغبتهم في الفرح, ومصادرة الإبداع وحرية الرأي, كلها نماذج لبشاعة العنف والقهر ضد الإنسان, فحق الاختيار ليس مرهوناً بالإنسان الكويتي كما يجب أن يكون, ولكنه يخضع لمحاكم التفتيش, سواء في رقابة وزارة الإعلام الحكومية أو من قبل جماعات الإسلام السياسي, الذين يفرضون ثوابت للأمة خارج الدستور, وخارج ما جبل عليه الإنسان والمجتمع الكويتي من حب للتسامح, ورغبة في الانفتاح والتطور والتعلم, يفرضون قيماً خارج نسق المنطق وسياق التاريخ, مستخدمين جميع الوسائل بما فيها الحق الشرعي في الاستجواب, للوصول إلى غايات الاستحواذ والسيطرة.
لقد مر عام 2007 والبشرية لم تتخلص من بقايا همجيتها, من بقايا عهود الشر والتخلف والكراهية, تلك العهود التي ضاعت خلالها فرص التقدم والرخاء والسعادة الحقيقية, بل استخدمت كل ما وصلت إليه الإنسانية من تقدم تكنولوجي وعلوم وديموقراطية للتدمير والسيطرة, واستخدمت الأديان ذريعة للقتل والحرق وتكميم الأفواه.
عام وراء عام وفي بداية كل منها يتفاءل الناس, ويبنون أحلاماً وآمالاً بسعادة لم تتحقق, يحلمون بالسلام والحرية والاستمتاع بمباهج الحياة, بإبداعات البشر التي تمنع كل يوم, ويضطهد مبدعوها.
ماذا ينتظر البشرية في عام 2008؟ ماذا ينتظر الكويت على الأقل؟

Saturday, January 12, 2008

أحلى الجزر







يصادف في فبراير القادم الذكرى الخمسين لوصول أول بعثة تنقيب في جزيرة فيلكا, ففي فبراير من العام 1958م وصلت البعثة الهولندية للتنقيب عن الآثار في جزيرة فيلكا.
وبعدها تغيرت في أذهان الكثيرين ملامح التاريخ في منطقة الكويت والجزر التابعة لها, فبعدما كان النظرة السائدة أن هذه الأرض لم تكن يوماً غير صحراء قاحلة, أصبح من الواضح العمق التاريخي السحيق لهذه المنطقة, والذي كشفت البعثة عنه في أعماق فيلكا, وأصبح هناك اهتمام عالمي بالإرث الحضاري القيم لهذه الجزيرة, وهذا ما دعى إلى الكشف والتنقيب في مناطق الكويت الأخرى, مثل تل بهيته وكاظمة والصبية وغيرها.
والمعروف أن الكويت كانت محطة ترانزيت تجاري عبر كل الحضارات القديمة, لما تمثله من موقع استراتيجي كمرفأ على رأس الخليج العربي, هذا عدا عن كونها تقع بين مناطق حضارية هامة, مثل فارس وما بين النهرين, ولم يقتصر ذلك على اهتمام الحضارات القديمة بهذا الموقع, بل أيضاً اهتمت به بريطانيا ممثلة بشركة الهند الشرقية كممر لتجارتها بين الشرق والغرب, ونقل المعتمد البريطاني مركزه من المحمرة ببر فارس والبصرة إلى الكويت, حسب الوثائق التاريخية.
وكشفت البعثة الهولندية في ذلك الوقت, عن آثار لفترة هيلنسية أو هيللينية, تمثلت في معابد وعملات وجرار وتماثيل, تعود إلى ثلاثمائة عام قبل الميلاد, في فترة استيطان قادة الاسكندر الأكبر وجنوده فيها, بعد عودة أسطوله من غزوة الهند عبر بحر العرب, والذي كان يقوده أدميرال البحر "نياركوس", وهو أحد زملاء الاسكندر في التتلمذ على يد أرسطو, وأسموا الجزيرة "إيكاروس", لأنها تشبه جزيرة إيكاروس في بحر إيجة بأجوائها وجمال طبيعتها, إذ من المعروف تاريخياً, أن جزيرة فيلكا كانت خضراء فيها أفلاج وجداول ماء عذب, وكان سكانها يزرعون القمح, وكانت تعتبر أرض الغزلان المقدسة, وجزيرة فيلكا "إيكاروس" لا تسكنها الثعابين والعقارب, ولذا أعلنت جزيرة مقدسة حسب حجر إيكاروس المنقوش عليه رسالة من انكزارخوس إلى سكان ايكاروس, والموجود حالياً بمتحف الكويت الوطني.
والتاريخ الأثري في فيلكا, لم يبدأ في استيطان الهللينيين والذي استمر لأربعمائة عام, ولكنه يسبقه بعصور أقدم بكثير, فالتنقيب كشف عن وجود آثار تعود إلى العصر البرونزي, كما اكتشفت كنيسة من العصر النسطوري, أو المسيحية الشرقية, إضافة إلى تجمع سكاني حولها.
ولا يقتصر وجود الآثار في جزيرة فيلكا وحدها, فإضافة إلى الثلاث حضارات التي اكتشفت في تل بهيته في الشويخ, اكتشفت كذلك آثار إسلامية تعود إلى العصور العباسية في منطقة كاظمة وغيرها, ومعروف أن الفرزدق مدفون في كاظمة, كما اكتشفت قبل سنوات آثار لتجمعات سكانية في منطقة الصبية عمرها أكثر من سبعة آلاف سنة.
واهتم العديد من الكتاب والباحثين بجزيرة فيلكا, لعل أبرزهم "عاشق فيلكا" الأستاذ خالد سالم, الذي كتب عدة مؤلفات تشير إلى أهميتها في التاريخين البعيد والقريب, ولعل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, يستعين به ليحكي عن ذكرياته عند وصول أول بعثة تنقيبية, فهي بالتأكيد ستكون شهادة توثيقية هامة, تضاف إلى التاريخ الثقافي الكويتي.
الآن, وهناك مشروع لتحويل جزيرة فيلكا إلى منتجعات سياحية, سيكون من الغبن طمس هذا التاريخ, وسيكون جرماً بحق الكويت وتاريخها, إذ أن ذلك التوجه ودون دراسة, سيشكل خطراً يدمر الآثار التي ما زال التنقيب جارياً عنها, ولعل هدف تحويل الكويت إلى مركز تجاري يجب أن يذكرنا بأهمية فيلكا كممر تجاري عبر التاريخ, فهذا الإرث الثقافي الآثاري هو كنز وثروة وطنية خالدة للأجيال داخل الكويت وللمجتمع الدولي.

Saturday, January 5, 2008

لماذا الكتابة؟





لماذا الكتابة؟! لا يوجد سؤال يحمل من الاستفزاز والتحدي لأي كاتب مثل هذا..لماذا تكتب؟! كمن يسألك: لماذا تتنفس, وبدقة أكبر كمن يسألك عن سبب وجودك في الحياة, سؤال بعمر الزمن, ولا توجد اجابة جاهزة, سؤال يحمل أسرار مولدك, حياتك, ومماتك, ولاتوجد إجابة واحدة..بم أجبت قبل خمسة وعشرين سنة؟ بم أجبت قبل عشر سنوات؟ ماذا ستجيب بعد سنة واحدة؟ ..
سؤال يحمل من السذاجة ومن العمق ما يجعلك تتساءل: من أنا؟! سؤال يحيي فيك روح العبث والمسؤولية في آن واحد..سؤال يستعيد كل ذاكرتك المؤلم منها والمفرح..الانتصارات والهزائم..الحب والكراهية..اللذة والألم..الحيرة والوعي..الزيف والحقيقة..سؤال يدفعك لاستحضار كل صداقاتك وعلاقاتك وكل الوجوه والعيون التي أسعدتك وآلمتك, التي كشطت من لحمك و التي غذتك..
لا يوجد سؤال ينبشك كهذا, الم نقل انه يحمل سر الكون..
من يجرؤ على دحرجة سؤال كهذا ثم يستدير؟! يقتنصك في لحظة استرخائك فيربكك..دون إحساس بتأنيب ضمير..أو يصفعك به بقسوة قفاز التحدي؟
هل فقد السؤال قيمته بمرور الزمن؟ هل السؤال بقيمته؟ أم بقيمة السائل؟ أم المسئول؟..مجه صيارفة الصحافة المفلسين حتى بهت ..وهاهو ينفتح أمامك مرة أخرى كالمدى..
صحيح , لماذا أكتب؟!
لو كانت اللا أدري مشبعة لأجبت بها, طاعناً السائل بخاصرته لينتهي الأمر, ولكن ماذا عن صدى السؤال؟! فمنذ بكارة البشرية والسائل يموت والسؤال يبقى, هذا كل ما في الأمر..لا أدري لا تغلق الاحتمالات بل تفتحها على مصراعيها , والسؤال الذي لا يفنى ولا يستحدث من عدم.. أزلي و تاريخي في الوقت نفسه..مطلق ونسبي..علمي وأدبي..تقدمي ورجعي..متعدد الوجوه والأصوات والعيون..
لماذا تكتب؟! لم يسأل الكاتب مثل هذا السؤال؟! أليست الكتابة بداهة؟ كالحياة .. هل يسأل الإنسان لم يعمل؟ لم ينجب؟ لم يعيش؟ لم لا يترك الكاتب وشأنه..الصحافة تسأله لم يكتب والناقد يسأله لم يكتب والقارئ يسأله لم يكتب والسلطة تسأله لم يكتب..هل لأن الكتابة فعل يحتمل الخطيئة أو الفروسية؟ يقترف جرم البناء أو الهدم؟ لا فرق..هل للكتابة تأثير وقوة كي تأخذ دوافعها كل هذه الأهمية؟!..وفي الأساس لم توجد أهداف لأي نشاط إنساني؟! ما دخل الآخرين بما تكتبه وحدك؟ ماذا يعنيهم مما ينتجه فكرك ووجدانك؟ أليست الكتابة تحقيقاً ورضاء ذاتياً؟ ولكن ما قيمة الذات إذا لم يكن للآخرين وجود..تخيل كاتب مهم في جزيرة معزولة..تخيل كاتب أقل أهمية في جزيرة معزولة..ما الفرق؟! هل تكتسب الكتابة أية أهمية دون وجود الآخر..القارئ..المتلقي؟! ولكن هل يعني ذلك انك تكتب كي ترضي الآخر؟! إذا ماذا عن ذاتك؟!..من اخترع المعادلات؟ الجدل؟ العلاقة التبادلية؟ الديالكتيك؟ أم أنها أزلية وتاريخية كالسؤال ذاته: لم تكتب؟
من يمنعك الآن من رفض الكتابة؟ من رفض التعب و وجع الرأس؟ للأسف لا أحد..لكن من يمنع الآخرين من لومك إذا لم تستمر بالكتابة؟ أيضاً لا أحد..
لطالما تساءلت لماذا فجر النازيون قبر بوشكين أثناء غزوهم للإتحاد السوفييتي..ولماذا ترفض السلطات التركية إدخال رفات الشاعر التركي العظيم ناظم حكمت كي يدفن في وطنه الذي كرس له كل أشعاره ..ولماذا استهدف صدام حسين المؤسسات الثقافية أولاً أثناء غزوه للكويت..ولماذا يغتال خفافيش الظلام أفضل منتجي الأدب والثقافة والفكر..ولماذا قال غوبلز مساعد هتلر:" كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي"..؟!
ربما تكمن في الإجابة كل أسرار الكتابة وسحرها..
في معادلة الزيت والفتيل لا يرى الإنسان الاحتراق بل النور هو الذي يعنيه..ماذا عن معادلة الكاتب والكتابة؟..الكاتب والوعي؟..الكاتب والانتماء؟..الكاتب والحياة؟..الكاتب والمجتمع؟..الكاتب والكاتب؟..الكاتب و السكون والحركة؟..الكاتب والنور والظلام؟..العدل والظلم..الحاجة والرغبة..الالتزام والعبث... إلى مالا نهاية من التساؤلات و المعادلات والخيوط التي تربط الكاتب بهذا الكون, بهذا الوجود..
إن أية إجابة جاهزة لهذا السؤال المشهر في وجهك تعني النهاية, وفساد المتعة في نهايتها, مع أن لكل شئ نهاية و لانهاية حسب زاوية النظر, فان الإجابة في كل زمان ومكان وأياً كان نوع السائل يجب أن تبدأ دائماً هكذا..صحيح لماذا أكتب؟!










Sunday, December 30, 2007

خير الكويت الثقافي



في التسعينيات كنا نقيم أسبوعا ثقافياً خليجياً في العاصمة الصينية بكين, احتوت على العديد من النشاطات الثقافية, حيث اشتركت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية, من خلال اللجنة الثقافية المشتركة, بالندوات والمعارض التشكيلية, ومعارض الكتب والعروض الفنية, وقدمت فرقة تلفزيون الكويت عروضاً مدهشة أعجبت الجمهور الصيني, فازدحمت دار الأوبرا الصينية بآلاف المشاهدين على مدى عدة أيام, كان أسبوعاً ثقافياً ضخماً, ولعله كان آخر أسبوع ثقافي مشترك بين دول مجلس التعاون, كنت وقتها مديراً لإدارة الثقافة والفنون بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وممثل الكويت في اللجنة الثقافية, ورئيس الوفد الكويتي.
وقد أتيحت لي في تلك المناسبة فرصة مميزة للالتقاء بمسئولين ثقافيين, ومثقفين, ودارسين للأدب العربي من الصينيين, وتحدثنا عن الثقافة في الكويت, وعلاقة الكويت كشعب ودولة بهذا الجانب, وأشادوا باهتمام الكويت بالثقافة على مدى عقود طويلة, وذكروا لي أن مكتبة بكين الوطنية تحوي كتباً ومؤلفات كويتية, سعدت كثيراً لهذا الخبر وطلبت زيارة المكتبة, وبالفعل تم ترتيب زيارة لي في اليوم التالي.
وقابلت المسئولة هناك, التي أخذتني بجولة دهشت خلالها من ضخامة المكتبة التي تعتبر من أكبر المكتبات بالعالم, بما تحويه من مخطوطات قيمة وكتب كثير منها نادر جداً, كما أن الأقسام المتخصصة سواء بالتاريخ أو الاقتصاد أو الأدب, لا يستطيع الإنسان إنهاؤها في يوم واحد, وكذلك خصص قسم للدول منها الدول العربية.
فطلبت الاطلاع على الكتب الكويتية, وبعد مروري على الكتب الكويتية أصبت بخيبة أمل, فقد كان عدد الكتب قليلاً جداً, وكانت العناوين قديمة, أذكر منها كتاب الدكتور عبد الله غلوم "الحركة العمالية في الكويت" إذا لم تخني الذاكرة في العنوان, فأخبرتهم برأيي وسألتهم عن السبب رغم أن هناك العديد من المؤلفات والدوريات الرسمية منها دوريات المجلس الوطني, إضافة إلى نتاج الأدباء, فحجم الإنتاج المطبوع في الكويت يفوق حجم سكانها!
أجابوا بأنهم يعتمدون في هذا الأمر على الملحقية الثقافية في الكويت لتزويدهم بالمطبوعات, ولا توجد مبادرات من الدولة أو المؤسسات الثقافية والإعلامية, رغم الزيارات المتكررة للملحق الثقافي في الكويت لها, شعرت وقتها بالإحباط, فنحن في الكويت نفاخر في كل مناسبة بمطبوعاتنا, ولدينا كم ضخم من الكتب المشجعة في المجلس الوطني ووزارة الإعلام, ويشتكي الأدباء من أن كتبهم تأكلها العثة والعفن في مخازن المجلس.
فاتفقت مع أمينة المكتبة, وهي عضو بارز في الدولة والحزب, بأن أسعى لإرسال ألف عنوان لمطبوعات كويتية مختلفة, على أن يخصص مكان بارز لدولة الكويت, كما وعدت بأن أطلب من الأمين العام للمجلس إرسال الدوريات بشكل منتظم إلى مكتبة بكين الوطنية, وهذا ما تم في ذلك الوقت.
وفي زيارة أخرى لمدينة شيراز الإيرانية, طلبت زيارة جامعة شيراز, والتي كان أسمها سابقاً على ما أظن جامعة بهلوي, وهناك قابلت أساتذة الجامعة وتحدثنا بأمور الثقافة والأدب في البلدين, وأهمية الترجمة والتواصل الثقافي, وأذكر أنني اقترحت على المسئول الثقافي لمنطقة فارس, إقامة أسبوع ثقافي كويتي في شيراز, وأثناء النقاش اشتكى الأساتذة المختصين باللغة العربية من قلة الكتب العربية في مكتبة الجامعة, فطلبت الإطلاع عليها وتعرفت على مسئول المكتبة الذي أخذني إلى القسم العربي, فهالني قدم المطبوعات العربية بشكل عام, فقد يكون الأحدث عباس العقاد وطه حسين, إضافة إلى جرائد تعود إلى العلاقة الإيرانية المصرية أيام حكم الملك فاروق, سألتهم هل توجد كتب كويتية؟ قالوا رأينا كتباً منها, وبحثنا لكننا لم نجد أي كتاب.
فاتفقت مع الأستاذ الدكتور مسئول المكتبة بأن نرسل له خمسمائة عنوان من دوريات المجلس الوطني, والكتب المشجعة على أن يتم الإرسال دورياً بشرط أن يخصص قسم خاص للمطبوعات الكويتية في جامعة شيراز, وهذا ما تم بالفعل رغم أن شحنة الكتب تأخرت كثيراً بسبب البيروقراطية في الدوائر الحكومية الإيرانية والرقابة وغيرها, إلا أنني تلقيت كتاباً يتضمن شكراً لدولة الكويت من الجامعة, ويفيد بوصول الكتب ووضعها بمكان بارز في المكتبة.
الجميع يعرف أن هناك كم ضخم من الكتب المشجعة في مخازن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وما يخرج منها للمشاركات الخارجية والداخلية قليل جداً, بل أن تقرير الموظفين المسئولين في الاجتماعات الرسمية, يقول أن هذه الكتب تتعرض للتلف رغم المبالغ الكبيرة التي دفعت للمؤلفين كتشجيع واقتناء.
وفي نفس الوقت يعاني الأدباء من عدم توفر نسخ لديهم من هذه الكتب لإهداء ضيوف الكويت من المثقفين, كما يقترح الأدباء إرسال نسخ إلى جميع سفاراتنا في الخارج, لإهداء الشخصيات والمؤسسات الثقافية في تلك البلدان.


Monday, December 24, 2007

كنوز ضائعة




أذكر أنني عندما انتقلت إلى بيتي الحالي في منتصف التسعينيات, اتصلت بشركة لنقل الأثاث, وفوجئت عندما ذهبت إلى بيتي القديم للإشراف على نقل محتويات المنزل, بأن العمال كانوا يضعون كتبي في صرر كبيرة من ملاءات السرير ويربطونها على شكل "بقجة" ويجرجرونها على الأرض بكل إهمال, ثم يقذفون بها في الشاحنة دون رحمة, انفعلت وتجادلت مع المسئول ورفضت إتمام الأمر معهم, ففوجئت به يقول لي: "شدعوه..كلها كتب" ثم أردف: "مضيعين فلوسكم كلها على الكتب..كتبكم أكثر من أثاثكم", كان مستنكراً غضبي على طريقة تعامله مع كتبي وكأنها شئ بلا قيمة, ومستنكراً أكثر إنفاقي نقوداً لشرائها, وهذا جعلني أفكر بمصير مكتبتي الصغيرة بعدما أرحل من هذه الدنيا.
في الكويت هناك مكتبات خاصة ثمينة للغاية, بذل أصحابها كثيراً من الوقت والجهد والمال لجمعها, وربما قضوا معظم سنوات عمرهم في جمعها, وهذه المكتبات الشخصية لها قيمة معنوية عالية لدى أصحابها, لكنها في الكويت تحديداً تضيع برحيل أصحابها.
عبر تاريخ الكويت هناك شخصيات أدبية وفكرية وثقافية رحلت أو ما زالت على قيد الحياة, تملك كنوزاً من الكتب والمخطوطات لها قيم تاريخية وفكرية, وبعضها من النوادر التي تشكل ثروة لا تقدر بثمن, وبعضها طبعات قديمة, هذا عدا عن المخطوطات التراثية والملفات والملحوظات.
ووجود هذه المكتبات في بيوت بعض الأسر الكويتية, أتاح لبعض أبنائها الاهتمام بالثقافة والقراءة والاطلاع, لكنها في كثير من الأحيان لا تشكل أدنى قيمة لدى الأبناء خاصة بعد رحيل صاحبها, فأما أن تضيع وتتشتت, أو تتلف أو يستولي عليها أحد, لكن ذلك في المحصلة ضياع لجهد صاحب المكتبة وضياع لكنز من كنوز المجتمع والأجيال القادمة.
وهناك أمثلة لمبادرات لحفظ بعض المكتبات, مثل مكتبة أحمد البشر الرومي رحمه الله الذي تبرع بمكتبته للدولة, وبالفعل المكتبة الآن في مكتبة الكويت الوطنية التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, كذلك مكتبة الأستاذ عبد العزيز حسين ومكتبة الأستاذ عبد الرزاق البصير اللتان يحتفظ بهما المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في مركز عبد العزيز حسين الثقافي.
لكن تظل مشكلة المكتبات الخاصة في الطرفين, ورثة صاحب المكتبة وأجهزة الدولة المتخلفة ببيروقراطيتها وبطئها وعدم اهتمامها, فمثلاً بعد وفاة الأديب الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري, أقترح صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح بأن يخصص مبنى في الشامية كمركز ثقافي لعبدلله زكريا تنقل إليه مكتبته الضخمة والقيمة, أو يعاد تأهيل مكتبة الشامية العامة والمقرات القديمة الملاصقة لها مثل مستوصف الشامية الذي بني بديل عنه, ومبنى البلدية, لكن ورغم أنها رغبة أميرية إلا أن أجهزة الدولة لم تخط خطوة باتجاه تنفيذها, مما يعرض هذه المكتبة القيمة للتلف أو الضياع مع مرور الزمن.
وهذا ينطبق على مكتبة المرحوم الأستاذ حمد الرجيب, التي تقبع الآن في كراتين, هذه المكتبة التي عاينتها شخصياً أثناء حياة الأستاذ حمد وبعد وفاته عام 1998م, تحوي كنوزاً من الكتب والتسجيلات النادرة, وكان قد أخبرني الأستاذ حمد أن بعضها لا يوجد له مثيل في العالم, إضافة إلى المخطوطات والنوت الموسيقية التي كتبها بيده, والتي قضى عمره كله في جمعها والحفاظ عليها حتى أثناء الاحتلال, وكان يقضي وقتاً ليس بالقليل في هذه المكتبة في سرداب بيته, يعزف ويلحن ويقرأ ويستمع إلى التراث الموسيقي الراقي.
بعد وفاة حمد الرجيب مباشرة خاطب المجلس الوطني عائلة حمد الرجيب بكتاب رسمي, طالباً الموافقة على جرد محتوياتها ونسخ التسجيلات الموسيقية, تمهيداً للاحتفاظ بها في مكتبة الكويت الوطنية, لكن هذا الأمر لم يتم لأسباب مختلفة.

وهذا ينطبق على مكتبات قيمة لشخصيات لعبت دوراً تاريخياً في الثقافة الكويتية, مثل مكتبة الفنان يوسف دوخي الموجودة في المعهد العالي للفنون الموسيقية, والتي تسرب منها بعض المقتنيات, ولا نعلم عن بقية مقتنياتها الثمينة, وكذلك مكتبة المؤرخ حمد الحاتم صاحب كتاب "من هنا بدأت الكويت", والتي حسب ظني ما زالت موجودة في بيته, إضافة الكثير من الوثائق والمخطوطات الموجودة في بيوت أهل الكويت, والمعرضة للتلف والضياع مع مرور الزمن.
ستظل هذه الكنوز ضائعة حتى تتخذ الدولة موقفاً جاداً تجاهها, وعندما أتحدث عن الدولة لا أتحدث عن الأجهزة البيروقراطية المتخلفة, فلا يمكن التعويل عليها لإنجاز هذا الهدف السامي, كما أن إصلاح هذه المؤسسات لا يبدو في الأفق هذا إن كان هناك جرأة على الإصلاح أو رغبة حقيقية به, أنا أعني هنا سلطة مجلس الوزراء مباشرة ومسئوليته في الحفاظ على الثروات الوطنية ومنها مكتبات الشخصيات الكويتية, يجب سن قوانين جادة لشراء هذه المكتبات ووضعها في مكان لائق لخدمة الأجيال القادمة وخدمة الثقافة في الكويت, لا أن يتم التعامل معها كحالات فردية, أو تترك لرغبة أو حتى حيرة أهل صاحب المكتبة في كيفية التصرف بها.


osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

Saturday, December 15, 2007

الهيبز وسارتر




خلط صديقي بين حركة "الهيبز" وفلسفة سارتر, لا أعلم لماذا, ولكنه علل بخطأ آخر, إذا قال فلسفة سارتر تؤمن بعدم الوجود, أو كما قال "الوجود والعدم", وهذا خطأ شائع عند بعض المثقفين العرب, فالعدمية في فلسفة سارتر لا تعني عدم الوجود, ولكنها تعني العبثية.
أما حركة "الهيبز" hippies التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا, فقد كانت حركة احتجاجية ضد حرب فيتنام والخط اليميني الرجعي في أمريكا, وخاصة إجراءات مكارثي ومحاكماته ضد الأدباء والفنانين والمفكرين على اعتبار أنهم شيوعيين.
كانت فترة الستينيات مفصل في التغييرات السياسية والاجتماعية, ولعل أشهر الحركات الاحتجاجية حركة مارتن لوثر كنج ضد التفرقة العنصرية, وكذلك حركة الطلبة في فرنسا عام 1968م, والتي من قادتها ميشيل فوكو المفكر المعروف, وكذا الحركات النسائية احتجاجاً على التفرقة بين المرأة والرجل..الخ
حركة الهيبز حركة احتجاجية عشوائية, لم تكن ضمن الاستراتيجيات للأحزاب السياسية, لكن الأحزاب استغلت هذا النهوض لتصعيد عملها السياسي, مثلما حدث مع حركة "نبيها خمس" الشبابية في الكويت, بدأت كحركة شبابية ثم انضمت لها شخصيات وتنظيمات وطنية, وانضمت كذلك شخصيات انتهازية ومتسلقة.
لكن حركة الهيبز التي ساهمت بإثارة الرأي العام الأمريكي والعالمي للمطالبة بالسلام ووقف الحرب, خرجت في جزء منها عن الانضباط بسبب عدم تأطيرها بالعمل الحزبي المنظم, ولذا تحول الشعار الأساسي "اصنع الحب لا الحرب" إلى "مارس الحب لا الحرب" لأن make love تحتمل المعنيين, وهذا يشبه الوجودية والعدمية كما فهمه وترجمه بعض المثقفين العرب, وبناء على فهم عبارة make love not war وحيث أنها حركة احتجاجية ضد القيود والقديم والسياسة وسلطة الدولة, بالغ البعض بالسلوكات والأفكار, مثل الممارسات الجنسية العشوائية وتدخين الحشيش وتعاطي المخدرات, وإطالة الشعور واللحى, والنوم بالشوارع والحدائق.
قادنا هذا النقاش مع الصديق المثقف إلى السؤال التالي:"هل هذا يعني أن الأحزاب هي التي تصنع التغيير في المجتمع والجماهير تتبعها؟ أحياناً, ولكن الأساس هو حركة المجتمع والشعب, وتلعب الأحزاب والتنظيمات السياسية بخبرتها السياسية, دور ضابط الإيقاع خشية الانفلات أو الاستغلال.
لكن التنظيمات العربية تتعامل أحياناً مع جماهيرها وكأنها قطيع, وكأنها (التنظيمات) تمتلك الحقيقة كاملة, لكن الممارسة الحياتية وليست النظرية هي الحاسم بالأمر, فالممارسة العملية وحركة الناس تظل في ذاكرة الشعوب وتاريخها, ولذا تكرر وتقلد لنجاح تجربتها.
ففي العام الماضي افترش الشباب ساحة الإرادة مطالبين بالإصلاح السياسي, وقبل أسبوعين افترش المطالبين بإسقاط القروض نفس الساحة وبنفس الأسلوب, وحتى أنهم استخدموا الشموع التي استخدمتها حركة "مبدعون كويتيون", رغم أن الأولى كانت للمطالبة بالإصلاح والثانية كانت للمطالبة بتدمير اقتصاد البلد.
هناك من يعتقد أن الخبرة السياسية هي المنطق الوحيد للنضال والإصلاح والتغيير, لكن الخبرة السياسية وحدها تعني العيش في برج عاجي بعيداً عن نبض الجماهير, يجب أن تكون الخبرة السياسية على صلة وثيقة بما يحدث بالمجتمع والشارع, يجب أن تكون متنبهة كي تستطيع قيادة وتنظيم الاحتجاج بخبرتها, ولنتذكر أن التنظيمات السياسية العربية لا تثق بجماهيرها, وتتعامل معها بريبة وتشكك, أو "شوية يهال".
في انتفاضة 17 و18 يناير 1979م في القاهرة, والتي سماها الرئيس السادات "انتفاضة حراميه", كانت انتفاضة شعبية عشوائية لكن مطالبها شرعية, مثل مطالب الهيبز الشرعية, ولم تستطع الأحزاب المصرية بخبرتها العريقة أن تستشعر السخط المتنامي عند الجماهير بسبب المعاناة المعيشية, كانت الأحزاب مشغولة بقضايا أكبر وأهم من الجماهير وأبناء الشعب, ولذا قمعت بسهولة وبسرعة.
الآن اختفت ظاهرة الهيبز, لكن بقى جوهر التغيير, وبالمناسبة لا ألوم صديقي المثقف لخلطه بين حركة الهيبز والسارترية, لأني عندما بحثت عن معنى هيبي في القاموس وجدتها: الخنفوس, الهيبي, الوجودي.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com
www.osboha.blogspot.com