Sunday, March 15, 2009

ترجل عن صهوة الفن



رحل عنا قبل أيام الفنان التشكيلي الكويتي بدر القطامي, وهو من الفنانين الذين تعتز الكويت بإنجابهم وعطائهم الفني, رحل المرحوم بدر القطامي, بعد رحلة طويلة مع المرض.
والقطامي الذي لقب بفنان الديرة, اهتم بشكل خاص بالتسجيل والنقل من البيئة الكويتية القديمة, كانت لوحاته أشبه بنوستالجيا وشجن للماضي, وكانت كذلك توجهاً للتوثيق والحفاظ على المفردات التراثية الشعبية, وهو بذلك يشترك مع الفنانين التشكيليين التسجليين, مثل أيوب حسين, وحسين مسيب, ومحمود الرضوان, رغم أنه من جيل أحدث من جيل بعضهم.
وغياب هذا الفنان, يعتبر رحيل آخر لمبدع من مبدعي الكويت, الذين ترجلوا عن صهوة الساحة الأدبية والفنية, بعد عطاء غير محدود وغير مشروط للفن والوطن, رحل تاركاً إرثه الإبداعي لتاريخ ومسيرة الفن التشكيلي الكويتي.
وفي رسومات القطامي, لا نلمس أثراً للمدارس الفنية الحديثة, ولكننا نلمس بكل وضوح الحرص على التصوير الواقعي, الذي سيكون له الأثر الكبير, في حفظ وتخزين وتوثيق المشهد التراثي, للأجيال القادمة, التي قد يفوت على وعيها تفصيلات كويت الماضي, كما فعل الفنان أيوب حسين, عندما وثق بشكل مبدع حولي, ببيئتها المميزة, المتناقضة شكلاً ومضموناً مع حولي الآن, وكما فعل الفنان حسين مسيب, عندما سجل لحظات تاريخية, بشخصيات ماضوية, مثل الشاوي والحمالي وعامل البناء والصباغة وغيرها.
لكل مدرسة فنية دور أساسي وضروري في حياة الإنسان, وللتصوير التسجيلي الواقعي, دور اجتماعي وسياسي وعمراني هام, فقد عرفنا جوانب وتفصيلات كثيرة, عن أوربا وأسيا في العصور القديمة, من خلال الفن التشكيلي, وما نقله لنا من فنون الهندسة المعمارية, والحياة الإجتماعية, والحروب, وهموم الناس السياسية, والثورات في تاريخ البشرية.
وقد اهتمت الكويت, في عصرها الذهبي, الذي قدرت فيه الفنون والآداب, اهتمت بالفن التشكيلي, وأتاحت المكان وأدوات الرسم والنحت, وكذلك التوجيه والمعارض, من خلال تأسيس المرسم الحر, الذي كان بدر القطامي أحد مؤسسيه, وكان للفنان التشكيلي مكانة في اهتمام الدولة ورعايتها, ومكانة في قلوب الكويتيين الذين كانوا يتابعون المعارض التشكيلية, وأولها معارض الربيع, وأنشأت صالات العرض الفني, وجمعية الفنانين التشكيليين الكويتيين.
هذا الاهتمام تقلص بسبب المد الرجعي, الذي طغى على الشخصية الكويتية ومنجزاتها الفنية والأدبية, وقضى على آمالها بنهضة ثقافية, مستندة إلى تراث عريق من الانفتاح والعصرنة, والتي بدأت منذ منتصف القرن الماضي.
إن كل رحيل لفنان أو أديب كويتي, هو حدث حزين وخسارة ثقافية, تذكرنا بفقد هويتنا حجراً حجراً, تلك الهوية التي بدأ ببنائها الأجداد, وبدأ بتقويضها دعاة التخلف ومساجد "الشينكو", فغابت صورة شارع الجهرا "فهد السالم", وثانوية شويخ وأبراج الكويت, غابت من الأذهان رموز الجمال العمراني, لتحل محلها رموز مباني الصفيح على أرض الكويت, غاب صناع الجمال من الفنانين, ليحل محلهم صناع القبح والبشاعة, على وجه وطن الجمال والفن, غابت دولة القانون والمؤسسات الحديثة, لتحل محلها دولة محاكمة القوانين وانتهاك الدستور واهانته.
رحل بدر, وسيرحل بعده بناة الجمال, سيرحل الحالمون بوطن عزيز, وبعزة الوطن, رحل بدر وفي قلبه غصة على تشويه السور باللون الأسود, وعلى تلويث الخليج -مانح المحار والردى لرجاله- بالقبح والبشاعة, رحل بدر وأخذ معه ألوان البلد.
وداعاً بدر.

No comments: