Sunday, December 30, 2007

خير الكويت الثقافي



في التسعينيات كنا نقيم أسبوعا ثقافياً خليجياً في العاصمة الصينية بكين, احتوت على العديد من النشاطات الثقافية, حيث اشتركت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية, من خلال اللجنة الثقافية المشتركة, بالندوات والمعارض التشكيلية, ومعارض الكتب والعروض الفنية, وقدمت فرقة تلفزيون الكويت عروضاً مدهشة أعجبت الجمهور الصيني, فازدحمت دار الأوبرا الصينية بآلاف المشاهدين على مدى عدة أيام, كان أسبوعاً ثقافياً ضخماً, ولعله كان آخر أسبوع ثقافي مشترك بين دول مجلس التعاون, كنت وقتها مديراً لإدارة الثقافة والفنون بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وممثل الكويت في اللجنة الثقافية, ورئيس الوفد الكويتي.
وقد أتيحت لي في تلك المناسبة فرصة مميزة للالتقاء بمسئولين ثقافيين, ومثقفين, ودارسين للأدب العربي من الصينيين, وتحدثنا عن الثقافة في الكويت, وعلاقة الكويت كشعب ودولة بهذا الجانب, وأشادوا باهتمام الكويت بالثقافة على مدى عقود طويلة, وذكروا لي أن مكتبة بكين الوطنية تحوي كتباً ومؤلفات كويتية, سعدت كثيراً لهذا الخبر وطلبت زيارة المكتبة, وبالفعل تم ترتيب زيارة لي في اليوم التالي.
وقابلت المسئولة هناك, التي أخذتني بجولة دهشت خلالها من ضخامة المكتبة التي تعتبر من أكبر المكتبات بالعالم, بما تحويه من مخطوطات قيمة وكتب كثير منها نادر جداً, كما أن الأقسام المتخصصة سواء بالتاريخ أو الاقتصاد أو الأدب, لا يستطيع الإنسان إنهاؤها في يوم واحد, وكذلك خصص قسم للدول منها الدول العربية.
فطلبت الاطلاع على الكتب الكويتية, وبعد مروري على الكتب الكويتية أصبت بخيبة أمل, فقد كان عدد الكتب قليلاً جداً, وكانت العناوين قديمة, أذكر منها كتاب الدكتور عبد الله غلوم "الحركة العمالية في الكويت" إذا لم تخني الذاكرة في العنوان, فأخبرتهم برأيي وسألتهم عن السبب رغم أن هناك العديد من المؤلفات والدوريات الرسمية منها دوريات المجلس الوطني, إضافة إلى نتاج الأدباء, فحجم الإنتاج المطبوع في الكويت يفوق حجم سكانها!
أجابوا بأنهم يعتمدون في هذا الأمر على الملحقية الثقافية في الكويت لتزويدهم بالمطبوعات, ولا توجد مبادرات من الدولة أو المؤسسات الثقافية والإعلامية, رغم الزيارات المتكررة للملحق الثقافي في الكويت لها, شعرت وقتها بالإحباط, فنحن في الكويت نفاخر في كل مناسبة بمطبوعاتنا, ولدينا كم ضخم من الكتب المشجعة في المجلس الوطني ووزارة الإعلام, ويشتكي الأدباء من أن كتبهم تأكلها العثة والعفن في مخازن المجلس.
فاتفقت مع أمينة المكتبة, وهي عضو بارز في الدولة والحزب, بأن أسعى لإرسال ألف عنوان لمطبوعات كويتية مختلفة, على أن يخصص مكان بارز لدولة الكويت, كما وعدت بأن أطلب من الأمين العام للمجلس إرسال الدوريات بشكل منتظم إلى مكتبة بكين الوطنية, وهذا ما تم في ذلك الوقت.
وفي زيارة أخرى لمدينة شيراز الإيرانية, طلبت زيارة جامعة شيراز, والتي كان أسمها سابقاً على ما أظن جامعة بهلوي, وهناك قابلت أساتذة الجامعة وتحدثنا بأمور الثقافة والأدب في البلدين, وأهمية الترجمة والتواصل الثقافي, وأذكر أنني اقترحت على المسئول الثقافي لمنطقة فارس, إقامة أسبوع ثقافي كويتي في شيراز, وأثناء النقاش اشتكى الأساتذة المختصين باللغة العربية من قلة الكتب العربية في مكتبة الجامعة, فطلبت الإطلاع عليها وتعرفت على مسئول المكتبة الذي أخذني إلى القسم العربي, فهالني قدم المطبوعات العربية بشكل عام, فقد يكون الأحدث عباس العقاد وطه حسين, إضافة إلى جرائد تعود إلى العلاقة الإيرانية المصرية أيام حكم الملك فاروق, سألتهم هل توجد كتب كويتية؟ قالوا رأينا كتباً منها, وبحثنا لكننا لم نجد أي كتاب.
فاتفقت مع الأستاذ الدكتور مسئول المكتبة بأن نرسل له خمسمائة عنوان من دوريات المجلس الوطني, والكتب المشجعة على أن يتم الإرسال دورياً بشرط أن يخصص قسم خاص للمطبوعات الكويتية في جامعة شيراز, وهذا ما تم بالفعل رغم أن شحنة الكتب تأخرت كثيراً بسبب البيروقراطية في الدوائر الحكومية الإيرانية والرقابة وغيرها, إلا أنني تلقيت كتاباً يتضمن شكراً لدولة الكويت من الجامعة, ويفيد بوصول الكتب ووضعها بمكان بارز في المكتبة.
الجميع يعرف أن هناك كم ضخم من الكتب المشجعة في مخازن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وما يخرج منها للمشاركات الخارجية والداخلية قليل جداً, بل أن تقرير الموظفين المسئولين في الاجتماعات الرسمية, يقول أن هذه الكتب تتعرض للتلف رغم المبالغ الكبيرة التي دفعت للمؤلفين كتشجيع واقتناء.
وفي نفس الوقت يعاني الأدباء من عدم توفر نسخ لديهم من هذه الكتب لإهداء ضيوف الكويت من المثقفين, كما يقترح الأدباء إرسال نسخ إلى جميع سفاراتنا في الخارج, لإهداء الشخصيات والمؤسسات الثقافية في تلك البلدان.


Monday, December 24, 2007

كنوز ضائعة




أذكر أنني عندما انتقلت إلى بيتي الحالي في منتصف التسعينيات, اتصلت بشركة لنقل الأثاث, وفوجئت عندما ذهبت إلى بيتي القديم للإشراف على نقل محتويات المنزل, بأن العمال كانوا يضعون كتبي في صرر كبيرة من ملاءات السرير ويربطونها على شكل "بقجة" ويجرجرونها على الأرض بكل إهمال, ثم يقذفون بها في الشاحنة دون رحمة, انفعلت وتجادلت مع المسئول ورفضت إتمام الأمر معهم, ففوجئت به يقول لي: "شدعوه..كلها كتب" ثم أردف: "مضيعين فلوسكم كلها على الكتب..كتبكم أكثر من أثاثكم", كان مستنكراً غضبي على طريقة تعامله مع كتبي وكأنها شئ بلا قيمة, ومستنكراً أكثر إنفاقي نقوداً لشرائها, وهذا جعلني أفكر بمصير مكتبتي الصغيرة بعدما أرحل من هذه الدنيا.
في الكويت هناك مكتبات خاصة ثمينة للغاية, بذل أصحابها كثيراً من الوقت والجهد والمال لجمعها, وربما قضوا معظم سنوات عمرهم في جمعها, وهذه المكتبات الشخصية لها قيمة معنوية عالية لدى أصحابها, لكنها في الكويت تحديداً تضيع برحيل أصحابها.
عبر تاريخ الكويت هناك شخصيات أدبية وفكرية وثقافية رحلت أو ما زالت على قيد الحياة, تملك كنوزاً من الكتب والمخطوطات لها قيم تاريخية وفكرية, وبعضها من النوادر التي تشكل ثروة لا تقدر بثمن, وبعضها طبعات قديمة, هذا عدا عن المخطوطات التراثية والملفات والملحوظات.
ووجود هذه المكتبات في بيوت بعض الأسر الكويتية, أتاح لبعض أبنائها الاهتمام بالثقافة والقراءة والاطلاع, لكنها في كثير من الأحيان لا تشكل أدنى قيمة لدى الأبناء خاصة بعد رحيل صاحبها, فأما أن تضيع وتتشتت, أو تتلف أو يستولي عليها أحد, لكن ذلك في المحصلة ضياع لجهد صاحب المكتبة وضياع لكنز من كنوز المجتمع والأجيال القادمة.
وهناك أمثلة لمبادرات لحفظ بعض المكتبات, مثل مكتبة أحمد البشر الرومي رحمه الله الذي تبرع بمكتبته للدولة, وبالفعل المكتبة الآن في مكتبة الكويت الوطنية التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, كذلك مكتبة الأستاذ عبد العزيز حسين ومكتبة الأستاذ عبد الرزاق البصير اللتان يحتفظ بهما المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في مركز عبد العزيز حسين الثقافي.
لكن تظل مشكلة المكتبات الخاصة في الطرفين, ورثة صاحب المكتبة وأجهزة الدولة المتخلفة ببيروقراطيتها وبطئها وعدم اهتمامها, فمثلاً بعد وفاة الأديب الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري, أقترح صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح بأن يخصص مبنى في الشامية كمركز ثقافي لعبدلله زكريا تنقل إليه مكتبته الضخمة والقيمة, أو يعاد تأهيل مكتبة الشامية العامة والمقرات القديمة الملاصقة لها مثل مستوصف الشامية الذي بني بديل عنه, ومبنى البلدية, لكن ورغم أنها رغبة أميرية إلا أن أجهزة الدولة لم تخط خطوة باتجاه تنفيذها, مما يعرض هذه المكتبة القيمة للتلف أو الضياع مع مرور الزمن.
وهذا ينطبق على مكتبة المرحوم الأستاذ حمد الرجيب, التي تقبع الآن في كراتين, هذه المكتبة التي عاينتها شخصياً أثناء حياة الأستاذ حمد وبعد وفاته عام 1998م, تحوي كنوزاً من الكتب والتسجيلات النادرة, وكان قد أخبرني الأستاذ حمد أن بعضها لا يوجد له مثيل في العالم, إضافة إلى المخطوطات والنوت الموسيقية التي كتبها بيده, والتي قضى عمره كله في جمعها والحفاظ عليها حتى أثناء الاحتلال, وكان يقضي وقتاً ليس بالقليل في هذه المكتبة في سرداب بيته, يعزف ويلحن ويقرأ ويستمع إلى التراث الموسيقي الراقي.
بعد وفاة حمد الرجيب مباشرة خاطب المجلس الوطني عائلة حمد الرجيب بكتاب رسمي, طالباً الموافقة على جرد محتوياتها ونسخ التسجيلات الموسيقية, تمهيداً للاحتفاظ بها في مكتبة الكويت الوطنية, لكن هذا الأمر لم يتم لأسباب مختلفة.

وهذا ينطبق على مكتبات قيمة لشخصيات لعبت دوراً تاريخياً في الثقافة الكويتية, مثل مكتبة الفنان يوسف دوخي الموجودة في المعهد العالي للفنون الموسيقية, والتي تسرب منها بعض المقتنيات, ولا نعلم عن بقية مقتنياتها الثمينة, وكذلك مكتبة المؤرخ حمد الحاتم صاحب كتاب "من هنا بدأت الكويت", والتي حسب ظني ما زالت موجودة في بيته, إضافة الكثير من الوثائق والمخطوطات الموجودة في بيوت أهل الكويت, والمعرضة للتلف والضياع مع مرور الزمن.
ستظل هذه الكنوز ضائعة حتى تتخذ الدولة موقفاً جاداً تجاهها, وعندما أتحدث عن الدولة لا أتحدث عن الأجهزة البيروقراطية المتخلفة, فلا يمكن التعويل عليها لإنجاز هذا الهدف السامي, كما أن إصلاح هذه المؤسسات لا يبدو في الأفق هذا إن كان هناك جرأة على الإصلاح أو رغبة حقيقية به, أنا أعني هنا سلطة مجلس الوزراء مباشرة ومسئوليته في الحفاظ على الثروات الوطنية ومنها مكتبات الشخصيات الكويتية, يجب سن قوانين جادة لشراء هذه المكتبات ووضعها في مكان لائق لخدمة الأجيال القادمة وخدمة الثقافة في الكويت, لا أن يتم التعامل معها كحالات فردية, أو تترك لرغبة أو حتى حيرة أهل صاحب المكتبة في كيفية التصرف بها.


osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

Saturday, December 15, 2007

الهيبز وسارتر




خلط صديقي بين حركة "الهيبز" وفلسفة سارتر, لا أعلم لماذا, ولكنه علل بخطأ آخر, إذا قال فلسفة سارتر تؤمن بعدم الوجود, أو كما قال "الوجود والعدم", وهذا خطأ شائع عند بعض المثقفين العرب, فالعدمية في فلسفة سارتر لا تعني عدم الوجود, ولكنها تعني العبثية.
أما حركة "الهيبز" hippies التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا, فقد كانت حركة احتجاجية ضد حرب فيتنام والخط اليميني الرجعي في أمريكا, وخاصة إجراءات مكارثي ومحاكماته ضد الأدباء والفنانين والمفكرين على اعتبار أنهم شيوعيين.
كانت فترة الستينيات مفصل في التغييرات السياسية والاجتماعية, ولعل أشهر الحركات الاحتجاجية حركة مارتن لوثر كنج ضد التفرقة العنصرية, وكذلك حركة الطلبة في فرنسا عام 1968م, والتي من قادتها ميشيل فوكو المفكر المعروف, وكذا الحركات النسائية احتجاجاً على التفرقة بين المرأة والرجل..الخ
حركة الهيبز حركة احتجاجية عشوائية, لم تكن ضمن الاستراتيجيات للأحزاب السياسية, لكن الأحزاب استغلت هذا النهوض لتصعيد عملها السياسي, مثلما حدث مع حركة "نبيها خمس" الشبابية في الكويت, بدأت كحركة شبابية ثم انضمت لها شخصيات وتنظيمات وطنية, وانضمت كذلك شخصيات انتهازية ومتسلقة.
لكن حركة الهيبز التي ساهمت بإثارة الرأي العام الأمريكي والعالمي للمطالبة بالسلام ووقف الحرب, خرجت في جزء منها عن الانضباط بسبب عدم تأطيرها بالعمل الحزبي المنظم, ولذا تحول الشعار الأساسي "اصنع الحب لا الحرب" إلى "مارس الحب لا الحرب" لأن make love تحتمل المعنيين, وهذا يشبه الوجودية والعدمية كما فهمه وترجمه بعض المثقفين العرب, وبناء على فهم عبارة make love not war وحيث أنها حركة احتجاجية ضد القيود والقديم والسياسة وسلطة الدولة, بالغ البعض بالسلوكات والأفكار, مثل الممارسات الجنسية العشوائية وتدخين الحشيش وتعاطي المخدرات, وإطالة الشعور واللحى, والنوم بالشوارع والحدائق.
قادنا هذا النقاش مع الصديق المثقف إلى السؤال التالي:"هل هذا يعني أن الأحزاب هي التي تصنع التغيير في المجتمع والجماهير تتبعها؟ أحياناً, ولكن الأساس هو حركة المجتمع والشعب, وتلعب الأحزاب والتنظيمات السياسية بخبرتها السياسية, دور ضابط الإيقاع خشية الانفلات أو الاستغلال.
لكن التنظيمات العربية تتعامل أحياناً مع جماهيرها وكأنها قطيع, وكأنها (التنظيمات) تمتلك الحقيقة كاملة, لكن الممارسة الحياتية وليست النظرية هي الحاسم بالأمر, فالممارسة العملية وحركة الناس تظل في ذاكرة الشعوب وتاريخها, ولذا تكرر وتقلد لنجاح تجربتها.
ففي العام الماضي افترش الشباب ساحة الإرادة مطالبين بالإصلاح السياسي, وقبل أسبوعين افترش المطالبين بإسقاط القروض نفس الساحة وبنفس الأسلوب, وحتى أنهم استخدموا الشموع التي استخدمتها حركة "مبدعون كويتيون", رغم أن الأولى كانت للمطالبة بالإصلاح والثانية كانت للمطالبة بتدمير اقتصاد البلد.
هناك من يعتقد أن الخبرة السياسية هي المنطق الوحيد للنضال والإصلاح والتغيير, لكن الخبرة السياسية وحدها تعني العيش في برج عاجي بعيداً عن نبض الجماهير, يجب أن تكون الخبرة السياسية على صلة وثيقة بما يحدث بالمجتمع والشارع, يجب أن تكون متنبهة كي تستطيع قيادة وتنظيم الاحتجاج بخبرتها, ولنتذكر أن التنظيمات السياسية العربية لا تثق بجماهيرها, وتتعامل معها بريبة وتشكك, أو "شوية يهال".
في انتفاضة 17 و18 يناير 1979م في القاهرة, والتي سماها الرئيس السادات "انتفاضة حراميه", كانت انتفاضة شعبية عشوائية لكن مطالبها شرعية, مثل مطالب الهيبز الشرعية, ولم تستطع الأحزاب المصرية بخبرتها العريقة أن تستشعر السخط المتنامي عند الجماهير بسبب المعاناة المعيشية, كانت الأحزاب مشغولة بقضايا أكبر وأهم من الجماهير وأبناء الشعب, ولذا قمعت بسهولة وبسرعة.
الآن اختفت ظاهرة الهيبز, لكن بقى جوهر التغيير, وبالمناسبة لا ألوم صديقي المثقف لخلطه بين حركة الهيبز والسارترية, لأني عندما بحثت عن معنى هيبي في القاموس وجدتها: الخنفوس, الهيبي, الوجودي.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com
www.osboha.blogspot.com

Saturday, December 8, 2007

رئيس الوزراء/ الأديب والفنان








سير ونستون تشرشل هو رئيس الوزراء البريطاني الأسبق, وأحد الرجال ذوي الكاريزما, الذين أثروا في التاريخ, خاصة وأنه قاد بريطانيا إلى النصر في أحلك الظروف التاريخية في الحرب العالمية الثانية, ولذا فالبريطانيين يعتبرونه بطلاً قومياً, وإحدى الشخصيات التاريخية الخالدة في عقولهم ووجدانهم.
وهناك عدد من المراكز المتخصصة باسمه في بريطانيا أو كمواقع إلكترونية, حول تاريخه وأعماله السياسية وخطبه, وهذه المراكز متاحة للدارسين والباحثين في الشئون السياسية والسوسيولوجية والثقافية, إضافة إلى مذكراته التي تعتبر مرجعاً قيماً لهذه الشخصية المميزة.
ولد تشرشل في 30 نوفمبر 1874م وتوفي في يناير 1965م, وقد كان رئيس وزراء لبريطانيا مرتين الأولى كانت من 1940 إلى 1945م, وخلال حياته العسكرية خدم في السودان وجنوب أفريقيا, ويعتبر مخططاً استراتيجياً من الدرجة الأولى, وكانت خطبه السياسية ملهمة لجيوش التحالف ضد هتلر, وعندما توفي كانت جنازته أكبر تظاهرة في التاريخ.
ويحفظ الشعب البريطاني مقولاته التي تعتبر حكماً ومجازات مهمة, حتى في العلاج النفسي, ومن مقولاته "أنا أحب أن أتعلم, لكن لا أحب أن يعلمني أحد", ومقولة أخرى "إذا كان لديك سيارة, فلا بد أن يكون لديك كابح", ويقال أنه كان في يوم ما متأخراً على اجتماع مهم, وكان سائقه يقود السيارة بسرعة فقال له تشرشل: "أرجوك خفف السرعة لأني مستعجل جداً", وفي مرة طلب منه ألقاء كلمة مدتها عشر دقائق, فقال أمهلوني أسبوعاً, فتعجب الجميع قالوا له كلمة لمدة دقائق تحتاج أسبوعاً, ماذا لو طلبنا منك كلمة مدتها ساعة؟! رد عليهم قائلاً: إذا كانت لمدة ساعة فأنا جاهز الآن", مما يبين صعوبة وأهمية تكثيف كلمة أو معنى.
وقد لا يعرف الجميع أن تشرشل كاتب من الطراز الأول, وقد حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1953م على كتاباته, كما أن لديه رواية جميلة باسم "سافرولا" savrola وقصص قصيرة متنوعة, كما قد لا يعرف الجميع أنه فنان تشكيلي, رسم أكثر من خمسمائة لوحة, أهدى آخرها إلى الرئيس الأمريكي هاري ترومان, وبيعت مؤخراً بملايين الدولارات.
وتشرشل ليس الرئيس الوحيد المبدع فنياً أو أدبياً, فرئيس الوزراء البريطاني الأسبق سير إدوارد هيث الذي توفي عام 2005م, كان عازفاً جيداً للبيانو وقائد فرقة موسيقية, وقد قاد فرقة أوركسترا لندن السمفونية عام 1971م, ومعروف كذلك أن الرئيس التشيكي هافل كاتب مسرحي مهم, وغيرهم الكثير من القادة عبر التاريخ.
وفي الكويت معروف أن معظم حكامها كانوا شعراء ورجال فكر وأدب وفن, فمثلاً يعتبر الشيخ أحمد الجابر شاعراً كويتياً مهماً وكذلك الشيخ عبدالله السالم, والشيخ صباح السالم, وقد أحاط حكام الكويت أنفسهم برجال الفكر والأدب, مثل الشيخ عبدالله السالم, كما عين الشيخ جابر الأحمد رجل الفكر والثقافة الأستاذ عبد العزيز حسين مستشاراً ثقافياً له في الديوان الأميري.
وبدراسة بسيطة للتاريخ, نجد أن الدول التي أهتم حكامها وقادتها بالثقافة والفنون ومارسوها, تقدمت كثيراً وحظيت بحرية وانفتاح ووعي أكبر, فالقائد المثقف لديه إمكانات أكثر وسعة أفق أكبر, ولنتذكر أن رجالات الدولة وبناة الكويت كانوا رجال أدب وفكر وفن.

Sunday, December 2, 2007

على هامش عصور الظلام 2 من 2



وردني السؤال التالي من القارئ مازن النجار حول مقالة عصور الظلام:
الأستاذ وليد
ذكرت في مقالك أن العرب تقدموا في عصورهم الذهبية في فترة عصور أوربا المظلمة, لأنهم فصلوا الدين عن الدولة, حبذا لو تذكر لنا ما الذي تم من خطوات تنفيذية في تلك الفترة أدت إلى فصل الدين عن الدولة أو السياسة؟ علماً بأني من دعاة الفصل هذا.
الإجابة:
الأخ العزيز مازن نجار
أشكرك على تفاعلك مع مقال عصور الظلام
أما موضوع فصل الدين عن الدولة فهو من الموضوعات التي لاقت الكثير من النقاشات بعضها متعصب وعنيف وبعضها عقلاني.
فصل الدين عن الدولة ضرورة لضمان احترام جميع المعتقدات الدينية والهوية الثقافية, واحترام دولة القانون الذي يجب أن يطبق على الجميع باعتبارهم مواطنين متساويين بالحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين والمذهب والاعتقاد أو العرق, كما أن المساواة بين المواطنين تكون بالواجبات والمسئوليات والحريات, فالقانون هو أولى مظاهر التحضر والعقلانية, فهو يحقق الوحدة بين الأفراد وهو فوق الأهواء والمصالح, ولذا فدولة القانون لا يحكم بها الأمام بشكل مطلق دون نقاش, ولا يمثل الله على الأرض كما حدث في التفويض الإلهي للبابا, ولكن الحكم للشعب عن طريق النظام المدني -أياً كان- الذي لا يفرق بين العقائد والانتماءات المذهبية, بل ويحترم الاختلاف. فالدين يعني علاقة الإنسان بربه ولا وسائط بين الإنسان وربه, وخاصة في الإسلام الذي لا كهنوت فيه ولا وصاية ,والقرآن الكريم جاء لتنظيم حياة الناس الاجتماعية ونقلهم من مجتمع الفوضى والبداوة إلى مجتمع منظم متحضر, ولم يأت القرآن كنظام أو منهج سياسي, فالقوانين الدينية يجب أن تكون قوانين أزلية, بينما السياسة آنية, وتسييس الدين إساءة له, وأسلمة القوانين تضييق لها وعرقلة لها عن مواكبة تقدم العصر.
ورغم أن الجماعات الإسلامية تستخدم القوانين الوضعية والنظام الديموقراطي التي ترفضها مبدئياً للسيطرة على الحكم, ورغم أنها رفضت التكنولوجيا فترات طويلة إلا أنها تستخدمها الآن لغايات الاستيلاء على الحكم والثراء المادي, فقد رفضت في السابق الراديو والمكيف والتلفزيون والانترنت ومعظم المكتشفات العلمية حتى مثل إمكانية معرفة جنس الجنين في بطن أمه, واعتبرتها حراماً وبدعاً وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار, لكنها الآن تستخدم هذه التكنولوجيا لمصالحها, وفي نفس الوقت حاربت استخدام العقل والمنطق والفلسفة.
وهذا بالضبط ما حصل من الكنيسة أبان عصور الظلام التي حظرت البحث العلمي وعاقبت صاحبه, وقيدت حرية التفكير والعبادات ونصبت نفسها وصية على فكر الإنسان.
يبدأ فك الارتباط بين الدين والدولة, عندما تقوم دولة مدنية لها دستور وقوانين تساوي بين المواطنين بالحقوق والواجبات, ولا تفرق بينهم بسبب دين أو أصل أو مذهب أو قبيلة أو عائلة, فيها سلطات تشريعية تستند على دستور البلاد وسلطة تنفيذية مثل الوزارات وأجهزة الدولة وسلطة قضائية مستقلة, يكون الحكم هو الدستور في تسيير أمور الدولة ورسم الخطط التنموية والسياسية والاقتصادية, هذه الدولة المدنية تحترم الإنسان وحرية تفكيره وإبداعه وتقدم له العلم المواكب لأحدث التطورات العالمية, تحترم الفن والأدب وترعاهما, ولا تسمح للسلطة الدينية بالتدخل في شئون الدولة أو المواطنين, لكنها تهتم بالجوانب الروحية وتعليم العبادات والمحافظة على قدسية الأديان بعيداً عن المصالح السياسية الآنية, فالدين لله والوطن للجميع.
وأول مظاهر فصل الدين عن سلطة الدولة في الإسلام, كان عندما بايع المسلمين معاوية على الخلافة بعد مقتل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه, وقالوا له كشرط للمبايعة نحن للأمة في أمور دينها, وأنت للأمة في أمور دنياها, كما أن معاوية توقف عن إمامة الصلاة ووضع إماماً يصلي بالناس بدلا عنه, لكن بلغ هذا الفصل مداه في الدولة العباسية حين عين الخليفة قضاة يحكمون في قضايا الناس, وتشكلت مؤسسات لتفسير الشريعة وأعطت الحرية للمواطنين في الاعتقاد وفي التفكير العلمي, ولذا تأسست الفلسفة في العصر العباسي, كما ساهم ذلك في انتعاش حركة الاجتهاد, وبروز الأئمة الأربعة, ابن حنبل, مالك, أبو حنيفة, والشافعي.
الخطوة العملية تبدأ برغبة الدول بفتح آفاق التقدم والتنمية وعدم الخشية من رجال الدين, وتأسيس دولهم على أسس مدنية, السيادة فيها للقانون الذي يعلو على المصالح الفئوية والخاصة, دولة يعيش فيها جميع المواطنين بأمان وحرية, دولة تعي منطق التاريخ وتستفيد من التجارب دون فقدان هويتها الثقافية والدينية.





Saturday, November 24, 2007

على هامش عصور الظلام 1 من 2




بعد نشر سلسلة مقالات عصور الظلام, وردتني مجموعة من الرسائل الإلكترونية, سأختار منها رسالتين للرد عليهما ونشرهما, الأولى أرسلت من قبل صديق قديم, وهي كالتالي:
"السلام عليكم يا ولد الفريج
مقالتك اليوم ممتعة, ولكن لدي بعض الملاحظات وهي:
1-تعكس الكوميديا الإلهية لدانتي مأزق الكنيسة في مواجهة النهضة الإسلامية.
2-كان لعصيان مارتن لوثر وماكس وبر ومعاصريهم من "أهل الشمال" ضد السلطة البابوية, الأثر الأهم في تفوق الشمال الأوربي على الجنوب.
3-هل يا ترى هناك رابط فلسفي بين نظرية التفويض الإلهي للبابا وولاية الفقيه؟
4-لم يعدم غاليليو.

الرد:
الصديق العزيز
أولاً: أشكرك على ملاحظاتك القيمة التي سأحاول البحث بها ومناقشتها, وأن أذنتم لي قد تصلح الملاحظات والمناقشة مقالة بحد ذاتها تنشر لاحقاً, حيث سيتبع مقالة عصور الظلام مقالين مكملين.

1-تعكس الكوميديا الإلهية لدانتي مأزق الكنيسة في مواجهة النهضة الإسلامية.
كتب دانتي ملحمته الخالدة الكوميديا لإلهية ما بين 1313 و1314م , وبهذا العمل تحدى دانتي الكنيسة وسلطة البابا, وهي ملحمة شعرية تصور رحلة الإنسان في مواجهة العدالة الإلهية, هي رحلة خيالية إلى العالم الآخر لكن أهدافها كانت واقعية, أهدافها الإصلاح والتغيير وفضح ممارسات الكنيسة والمتاجرة بالدين وما صاحبها من فساد وظلم وانحطاط اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي.
أما ما أعرفه عن علاقة دانتي بالإسلام, فيقال أن دانتي استفاد في كتابة الكوميديا من التراث الإسلامي والصوفي, ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري, وكتاب معراج محمد لتصوير الانتقال إلى الآخرة, لكن المستشرق الاسباني أسين بلاثيوس قال أن دانتي قد يكون أخذ من التراث اليوناني ومن التوراة والإنجيل, وأن هناك تشابهاً بين التراث اليوناني والتوراة والإنجيل والتراث الشرقي والإسلامي.

2-كان لعصيان مارتن لوثر وماكس وبر ومعاصريهم من "أهل الشمال" ضد السلطة البابوية الأثر الأهم في تفوق الشمال الأوربي على الجنوب.
نعم أوافقك بأن الإصلاح الديني الذي قاده مارتن لوثر كان أحد معاول إضعاف النفوذ الكاثوليكي, إضافة إلى جهود المفكرين في عصر التنوير, وأوافقك أن الفكر المستنير والعقل المفتوح هو عمود الإصلاح والتقدم والتنمية, لكني لست متأكدا من مفاهيم الشمال والجنوب, أفهم تقدم شمال أوربا على جنوب الكرة الأرضية, لكن هل الموقع الجغرافي الشمالي له دور في التقدم؟ أو كما تقول بعض النظريات عن تأثير المناخ, فلنق نظرة على بعض الأمثلة هل سكان القطب الشمالي هم الأكثر تقدما؟ هل كندا أكثر تقدما من الولايات المتحدة؟ أما إذا كان المقصود شمال وجنوب أوربا, فأظن أن هناك ظروفا موضوعية وذاتية تسهم في تقدم وعدم تقدم الشعوب فمثلا اليونان خضعت للاحتلال العثماني وعانت من تبعات التخلف, لكنها كانت في يوم من الأيام مركز حضارة العالم في الوقت الذي كانت فيه مناطق شمال أوربا وقبائلها الجرمانية تعيش في بدائية لا تعرف حتى معنى الوطن.
أظن أن الدور الحاسم في التقدم هو الحريات الشخصية والفكر الحر المستنير, والتعليم العالي المستند على البحث والاكتشاف واحترام العلم والمنجزات التكنولوجية, أما المصادر والإمكانات الطبيعية فهي موجودة في كل بقاع العالم, لكنها تحتاج أيضا إلى أيدي عاملة ماهرة, تحتاج إلى قيم احترام العمل والقانون والمؤسسة, واحترام إبداع الإنسان الفني والأدبي والفكري وتقديره وتكريمه باعتبار أن الإنسان هو الثروة الحقيقية.
3-هل يا ترى هناك رابط فلسفي بين "التفويض الإلهي" للبابا و ولاية الفقيه؟
نعم هناك رابط فلسفي بين نظرية التفويض الإلهي وولاية الفقيه عند الشيعة وحاكمية الله عند السنة, فالتفويض الإلهي هو الحكم نيابة عن الله, وولاية الفقيه هي ولاية وحاكمية الفقيه الجامع للشرائط في عصر غيبة الأمام الحجة حيث ينوب الولي الفقيه عن الإمام المنتظر في قيادة الأمة وإقامة حكم الله على الأرض, وتجب على الجميع طاعته بما في ذلك المجتهدون والعلماء, وهذا يعني منع حرية المسلم واجتهاده والتسليم بحكم الفقيه, كذلك حاكمية الله التي أتي بها أبو أعلى المودودي وتبناها سيد قطب وجماعات الإسلام السياسي, التي تقول بأن كل أنظمة الحكم المدني كافرة لأنها تشرع لنفسها بينما التشريع هو لله فقط, وهذا المصطلح أستخدم لمنع التفكير والاجتهاد, والخضوع لحكم الحاكم أو الإمام الذي يمثل حكم الله, وهو ينوب عنه ولا مجال لمناقشة الأمر.
والجدير بالذكر أن كل الأديان ومنذ فجر التاريخ سواء كانت وثنية أم سماوية قد استخدمت واستغلت الدين للسيطرة على الشعوب في مرحلة من تاريخها, فبالنسبة إلي الأنظمة السياسية هناك طريقان للسيطرة, أما القمع بالقوة وأما باستخدام الدين لترويض الشعب, ورغم أن الدين الإسلامي هو الدين الذي لا كهنوت فيه ولا واسطات بين العبد وربه, إلا أن الطمع السياسي والتخلف والانحطاط الحضاري أفرزا هذه الظواهر البدائية اللاعقلانية واللاإنسانية.

4- لم يعدم غاليليو.
نعم ياسيدي, هناك مراجع تفيد أنه لم يعدم ولكنه نفي ثم حدد بإقامة جبرية لمدة عشر سنوات على أن يكف عن الكتابة والبحث العلمي, وهذا ما حدث فقد اعتذر للبابا والكنسية ولكنه عاد يكتب مرة أخرى حتى وفاته عام 1642م عن عمر يناهز 78 عاماً, في الواقع ليس لدي عذر فيما كتبت لأني استعجلت بالاطلاع على مرجع في الشبكة الالكترونية وهو وكيبيديا (الموسوعة الحرة) ظاناً أنها على مستوى الموسوعات العلمية, إضافة إلى استعجالي النشر لقرب موعده ولكن بعد اطلاعي على مجموعة أخرى من المراجع بما فيها The world book encyclopedia لم يثبت أنه أعدم وقطع رأسه كما ذكرت وكيبيديا, ولكن فات موعد التصحيح.
وهذا في الواقع يعطينا درساً بأن لا نعتمد على مصادر ركيكة وغير موثوقة خاصة في الانترنت الذي يختلط فيه طيف واسع من المعلومات بعضها مظلل وبعضها منقول حرفيا دون تمحيص, بيد أن كنوز المعرفة الحقيقية موجودة لكنها تحتاج إلى جهد ومثابرة.






Tuesday, November 20, 2007

الحجر والانفتاح..الكويت ودبي




نشرت جريدة الراي الكويتية في عددها الصادر يوم الثلاثاء 30 أكتوبر 2007 خبراً تحت عنوان "محمد بن راشد يتحدى مجتمع المعرفة العربي لترجمة ونشر ألف كتاب سنوياً", ويقول الخبر:" في بادرة تعد الأولى من نوعها عربياً, أطلق الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي, تحدياً جديداً لمؤسسات الترجمة والنشر في العالم العربي, بأن تتمكن من تحقيق طموحات مؤسسة محمد بن راشد بترجمة ونشر ألف كتاب في السنة الواحدة, ويكمل الخبر: وكان سموه أكد دعمه الكامل للمبدعين في المنطقة العربية حين قال: وأقول للمفكرين والكتاب والأدباء والباحثين والمبدعين والموهوبين, تقدموا بأفكاركم ومشاريعكم الجديدة, وستجدون منا كل الترحيب والاهتمام والدعم" (انتهى الاقتباس).
وفي خبر آخر نشر في جريدة القبس في عدد الثلاثاء 13 نوفمبر الجاري يقول:" قررت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم, إصدار مجلة شهرية متخصصة في عرض الكتب الجديدة الصادرة باللغة العربية وجميع اللغات الحية بالعالم, وتوزيعها على أوسع نطاق عربي, ويضيف الخبر: وسوف تسهم المطبوعة الجديدة في تعزيز وعي القراء في المنطقة العربية بما يقدمه الفكر العالمي من إبداعات جديدة" (انتهى الاقتباس).
هذان الخبران يقوداننا إلى المقارنة الجبرية بين ما يحدث في إمارة "دبي" وحدها, وما يحدث في دولة الكويت هذه الأيام, ففي الوقت الذي تتعسف فيه الرقابة في منع الكتب بمعرض الكويت للكتاب العربي, تبادر إمارة دبي بنشر ألف كتاب وترجمة في السنة الواحدة, وفي الوقت الذي يصادر فيه حق الأديب الكويتي في الإبداع, وتمنع أعماله الإبداعية, يدعو الشيخ محمد بن راشد الأدباء والكتاب لتقديم أعمالهم لنشرها ودعمها, وفي الوقت الذي تقدم فيه الرقابة بلدي الكويت بصورة سيئة متخلفة أمام العالم, تسير إمارة دبي باتجاه التقدم والانفتاح الفكري, وفي الوقت الذي تهان فيه الثقافة في الكويت, ويهان المبدع والمواطن ويساق المفكر إلى المحاكم, يقول الشيخ محمد بن راشد: "تقدموا بأفكاركم ومشاريعكم وستجدون منا كل الترحيب والاهتمام والدعم" (اقتباس).
كيف نفسر ذلك؟! فقبل خمسين عاماً كانت الكويت تقدم مساعدات تعليمية للإمارات, كانت تبني المدارس وتقدم مناهجها التعليمية وتوفر حتى المدرسين, وكانت تصدر الثقافة والفنون والآداب للإمارات, وتنشئ تلفزيوناتها وإذاعاتها, كانت تلعب دور الريادة, وتعي ضرورة الثقافة لبناء الدولة المدنية الحديثة, فكيف نفسر ذلك؟!
هل تراجعت الثقافة المتقدمة في الكويت؟ بالطبع لا فالثقافة لا تتراجع من الناحيتين الموضوعية والفلسفية, لأنها تراكمية بيد أنها أصبحت متوارية, وما هو سائد لا يمثل الثقافة كما عرفها الكويتيين, لم يتراجع الإنسان الكويتي ولم تتراجع أحلامه في وطن حر مستقر, ما تراجع في الكويت هو الحكومة التي تخلت عن مشروعها لبناء كويت حديثة, وانساقت وتخاذلت أمام قوى التخلف والفساد, وهابت من الإرهاب الفكري والصوت العالي.
ولا أستثني هنا نواب الحريات, الذين انتخبناهم للدفاع عن حرياتنا ونمط عيشنا الذي نريد, ولا القوى السياسية التي تسمى قوى الضغط, ألا يجدر بنا أن نسميها قوى الربت, في مقابل قوى التخلف الفاعلة القوية المتكاتفة لجر الكويت إلى الوراء.



Saturday, November 17, 2007

الإصلاح مهمة مستحيلة




كان الشعب الكويتي متفائلاً عندما أعلنت حكومة سمو الشيخ ناصر المحمد عن سياسة الإصلاح بمعناه الشامل, ووضعت الأولوية للتنمية وإعادة الاعتبار لمشروع بناء الدولة الحديثة, لكنه من الواضح أن الإصلاح مهمة مستحيلة في الكويت, بعد مرور أكثر من عقدين على التردي والاستناد على قوى التخلف.
الإصلاح يعني أن هناك خطأً وخللاً يحتاج إلى تعديل, ومسيرة معوجة تحتاج تغيير, وغفلة تحتاج إلى صحوة, وأهم ما في طريق إصلاح أي شي هو دراسته والوقوف على مظاهره ومسبباته, إن كانت سياسة أو بسبب أشخاص معينين.
الإصلاح لا يقبل المجاملة أو الاستثناءات أو التردد لأي سبب, الإصلاح لا يتحقق إلا بالحزم والشجاعة والمبادرات العملية, لا يتحقق إلا برجال دولة لا يهابون المفسدين والأصوات العالية, الإصلاح يحتاج إلى خطة فورية تحتوي على أولويات الإصلاح وفترة الإنجاز.
لا نفهم ككويتيين أن يرفع شعار الإصلاح, في ظل الوصاية على أفكارنا, في ظل الرقابة والمنع المخجلين على الكتب والإبداع, ماذا تبقى من حرياتنا إذن؟! لا نفهم أن يختار لنا موظف لا نعرف مستواه الثقافي ماذا نقرأ وماذا نكتب, أي مهانة وأي استخفاف تلحقوه بالكويتيين! وتقولون إصلاح.
في القرن الحادي والعشرين مازالت هناك رقابة في الكويت, في زمن الحصول على أي معلومة بضغطة زر, مازال في الكويت من يمنعنا من قراءة بعض الكتب, فهل الحكومة غائبة عن الوعي؟! أو لا تعرف ماذا يحدث بالعالم من تطور, كل الكتب والأبحاث وحتى المنشورات السياسية نستطيع الحصول عليها من الانترنت, في القرن الحادي والعشرين ما زلنا نعيش في عصور الظلام ومحاكم التفتيش.
كان معرض الكتاب في الكويت يعتبر ثاني أكبر معرض للكتاب العربي بعد معرض القاهرة, ويعتبر من أقدم المعارض العربية, كان الناشرون والمثقفون العرب يفرحون بمناسبة إقامته, وكان القراء يحضرون من الدول المجاورة مثل المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات, لكي يشتروا كتباً من معرضنا, والآن نطأطئ رؤوسنا بخجل بسبب الرقابة على الكتب, لم يعد معرض الكتاب حدثاً ثقافياً, لم يعد يغري الناشرين على المشاركة به, فهم يفضلون معارض الكتب في دولة الإمارات العربية, حيث لا توجد رقابة ولا يوجد مصطلح منع, بينما في الكويت وطن الثقافة, تغتال الثقافة, وفي الوقت الذي يعلن فيه الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي عن مشروع ترجمة وطباعة ألف كتاب بالسنة, تمنع حكومة الكويت شعبها من القراءة والكتابة!
أين نواب ومحامين الرأي؟ أين جمعيات النفع العام؟ أين رابطة الأدباء؟ أين التجمعات السياسية الوطنية؟ أين حكومة الإصلاح؟ أليست هذه قضية رأي عام؟ لماذا إغراقنا بأمور سطحية ونسيان قضايانا الأساسية, لماذا الجعجعة وزوابع في فناجين؟ وعدم اتخاذ مبادرة عملية, حتى متى نظل أسرى لقوى التخلف, حتى متى تظل حكومتنا مخيبة لآمال الكويتيين؟ وتقول لنا إصلاح, أنا لا أستثني أحداً, فالجميع مسئول عن هذه الجريمة, ولا تكفي وقفات الاحتجاج والعرائض والاستنكار عبر الصحافة, يجب اتخاذ قرار ومبادرة ولقاء مع المسئولين في الدولة لإلغاء الرقابة على القراءة والكتابة والإبداع, وتفعيل مواد الدستور.
نحن نعرف ماذا نختار للقراءة, فلماذا لا يترك لنا الخيار لنحدد الكتاب الصالح لنا؟ لماذا الوصاية على تعلمنا وثقافتنا وكأننا أطفال؟ ويا ليت الرقابة تعمل لصالحنا, فهي تسمح لكتب السحر والشعوذة والغلو الديني, وتمنع كتباً وروايات لمجرد عدم فهمها أو عدم توافقها لفكر فئة في المجتمع.
أتذكر في إحدى السنوات, منعت الرقابة وسيلةً تعليمية في معرض الكتاب, عبارة عن بوستر يحوي صور حيوانات, فقط لأن الخنزير كان من ضمنها, وهذا يبين مستوى الانحطاط الذي وصلنا إليه, وكأن الطفل سيأكل هذا الخنزير, أو كأن مجرد مشاهدة صورته حرام, وكأنه ليس من مخلوقات الله.
أنا أدعو سمو الشيخ ناصر المحمد رئيس مجلس الوزراء, ونواب الحريات المستنيرين, وكل من له صلة إلى عدم الالتفات لقوى التخلف والإرهاب الفكري, والانتصار لحريات الشعب الكويتي, لعلنا نخطو خطوة في الحلم/الإصلاح.
فالإصلاح يبدأ بالحريات والتعليم والثقافة, والتنمية تبدأ بالإنسان.



الوعد




اليوم يصدق الوعد
اليوم سترون شبابنا الأبي يحتضن الوطن
فيرفع رأسه بهم
شابات وشباب هم بوابة التغيير
لمستقبل أفضل
ووطن متحضر..أجمل
لسان حالهم يقول:
لا شئ يوقف عجلة التاريخ
يا وطن لن تضام بعد اليوم
وهؤلاء أبناؤك

اليوم في السادسة مساءً, في ساحة أرض المعارض, احتجاج على تشويه الوطن وإهانة أبنائه ومبدعيه..كن هناك وأربط شرايينك بهذه الأرض..

Saturday, November 10, 2007

aznavour

عصورالظلام -مظاهر الانحطاط العربي الاسلامي-3 من 3


في المقالين السابقين كتبنا عن مفهوم عصور الظلام في أوربا, ومظاهر الانحطاط الأوربي المتمثلة بالتخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي, وحظر استخدام العقل والمنطق والفلسفة, وتدهور الفنون والآداب, وانتشار الجهل والخرافة, ويعزو التاريخ ذلك إلى تسلط الكنيسة على الدولة وأفراد الشعب, وسرقة رجال الدين لأموال الناس وتأسيسهم لمؤسسات مالية ضخمة, جعلت من رجال الدين أثرى من الملوك أحياناً, كما حاكمت الكنيسة المخالفين لرأيها وعذبتهم وأحرقتهم بالنار, بمن فيهم العلماء والمفكرين والأدباء, فعاشت أوربا قرون من الممارسات اللاإنسانية, وقرون من التخلف والجهل والمرض.
أما الانحطاط العربي والإسلامي فقد بدأ منذ غزو المغول لبغداد عام 1258م, في وقتها كانت الإمبراطورية الإسلامية تقدم للعالم أرقى الأفكار والعلوم التي تعلمتها ونقلتها من الحضارة اليونانية وأضافت لها, وبنت المجمعات العلمية وهيئات الترجمة والعلوم الطبيعية والفلكية, وشجعت العلماء والمفكرين واعتمدت عليهم في نهضتها, وأتاحت للمواطنين مسلمين وغيرهم الحرية الكافية للإبداع والتفكير, وفصلت سلطة رجال الدين عن سلطة الدولة, وتحولت الدولة الإسلامية بذلك إلى دولة مدنية تحكمها القوانين المركزية, وتنفصل فيها سلطة القضاء, وأتاحت الفرصة لعلماء الدين للبحث والاجتهاد في أمور الشريعة دون تدخل في سلطة الدولة.
ولأن الإسلام لا يتعارض مع العلم, وإنما خلق هذا التعارض على يد رجال الدين, فقد تطورت العلوم في العصر العباسي الأول, وأهمها حركة التصنيف وكان أشهر المصنفين مالك وابن إسحاق وأبو حنيفة الذي صنف الفقه والرأي, وكذلك تم تنظيم العلوم الإسلامية, حيث ولد تفسير القرآن وتم فصله عن الحديث, وتميز العصر بوجود الأئمة الأربعة, مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل, وتطورت كذلك علوم النحو, ونشأت كتابة التاريخ واستقل علم السيرة عن الحديث, وانتشرت الترجمة عن اللغات غير العربية, وكتب ابن المقفع كليلة ودمنة عام 757م, كما فسر العلماء المسلمون ظاهرة الجاذبية, وعينوا خط العرض وقياس طول محيط الأرض, وأضاف العلماء المسلمين بجهودهم الكثير.
استمر الانحطاط وبلغ ذروته بعد الاحتلال العثماني للدول العربية الذي دام أربعة قرون, واستخدم العثمانيون الدين للسيطرة على الشعوب الرافضة لهذا الاحتلال, مثلما فعل نابليون بونابرت عندما احتلت جيوشه مصر, فقد أعلن مدعياً أنه مسلم وأنه غير اسمه إلى محمد بونابرتي, لأنه يعرف سهولة قيادة المسلمين باستخدام الدين.
والاحتلال العثماني الذي قالت عنه الجماعات الإسلامية السياسية:" الرسالة الإلهية للدولة العثمانية في نجدة الأمة الإسلامية (اقرأ تاريخ الدولة العلية العثمانية لمحمد فريد 1898م), مارس كل صنوف التعسف والتنكيل بأبناء الأمة العربية واستفاد من ثرواتها, واعتمد على قاعدة رجال الدين الذي وضعوا الشعوب العربية أمام قدرية حكم الولاة والسلاطين بصفتهم الخلفاء على الأرض وحامين الإسلام, والخروج على أولي الأمر خروج على طاعة الله, بينما استمرت الدولة العثمانية في احتلالها للدول الأوربية وممارسة الوحشية تجاه شعوبها, وازداد ثراء السلاطين وفسادهم, وهذا ما جعل العرب يفضلون التحالف مع الشيطان في سبيل التخلص من نير العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.
ولعل آثار وشواهد هذا الانحطاط العربي الإسلامي واضحة تماماً, فأين تكمن مكانة الدول العربية بين دول العالم هذا اليوم؟ ماذا قدمت الدول العربية إلى البشرية منذ ذلك التاريخ من مخترعات واكتشافات علمية وتكنولوجية؟ ما هي مساهماتها في تقدم العالم في أي مجال كان؟
تقف الدول العربية في الصفوف الخلفية لدول العالم, فظاهرة الفقر والجهل والقهر الاجتماعي والعنف والإرهاب من أوضح مظاهر الانحطاط, إذ هناك أكثر من 70 مليون أمي عربي في القرن الحادي والعشرين رغم الثروات الهائلة التي يملكها العرب, وتبلغ نسبة البطالة أعلى مستوياتها في العالم, هناك هشاشة وضعف في المنظومة المعرفية, وتركيز ماضوي على الحوار والرؤى دون التفكير في اللحاق بالتقدم العلمي, والمكابرة وعدم الاستفادة من تجارب التاريخ, والإصرار على العودة للماضي والاعتماد على كتب التراث دون تمحيص أو إبداع جديد يناسب متطلبات العصر, ومحاربة الاجتهاد والعقلانية وتكفيرها.
لقد دخلت الفلسفة الفكر العربي في حكم المأمون وخرجت منه في حكم الخليفة الموحدي ابن عبد المؤمن الملقب بالمنصور أمير قرطبة, الذي نفا ابن رشد وأحرق كتبه, وحارب الغلو الديني العقل والمنطق بمقولة "من تمنطق فقد تزندق", قدموا التكفير على الحوار العقلاني واحترام الاختلاف, كل ذلك لأن الجماعات الإسلامية السياسية نصبت نفسها وصية على البشر وضمائرهم, وأقحموا الدين بشئون الدولة طمعاً بالحكم, واستفادوا من القوانين الوضعية والنظام الديمقراطي في تكوين ثروات هائلة, وذلك بمساعدة الحكام العرب الذين لم يثقوا بشعوبهم, واستندوا على هذه الجماعات لتثبيت كراسيهم, لكن عادة ما ينقلب السحر على الساحر مثلما حدث مع الرئيس أنور السادات.
في فترات الانحطاط العربي, تنحط الفنون والآداب ويسود مسرح الإسفاف والأدب والشعر الرخيص, كما حدث في عصور الظلام الأوربية وكما يحدث معنا الآن, ويساق الأدباء والمفكرون إلى المحاكم وتمنع إبداعاتهم, وتنتشر كتب الشعوذة والسحر, وهذا أيضاً حصل في أوربا.
في فترة الانحطاط العربي يسود الفساد والسرقة والاستيلاء على مقدرات البلدان وأراضيها, وتتم خيانة الوطن بأكثر الطرق إبداعاً, وتغيب قيم الفكر الحر وقيم العمل النزيه البناء, تختفي قيم التسامح الديني والعرقي والمذهبي, ويسهل التكفير لأتفه الأسباب ولمجرد الاختلاف, ويسود التعصب البدائي الديني والطائفي والقبلي, التي جاء الإسلام ليلغيها ويضع قيم المحبة والإخاء والمساواة بديلاً لها, أما التفضيل فبالتقوى.
من مظاهر الانحطاط تخلف التعلم, ففي اليابان هناك 1000 جامعة, وفي الدول الإسلامية مجتمعة 430 جامعة فقط, وهناك 3000 أطروحة دكتوراه في مجال العلوم الطبيعية في بريطانيا, يقابلها 500 أطروحة فقط في جميع الدول الإسلامية, ونصيب العالم العربي من إنتاج الكتب هو 1% من النتاج العالمي, رغم أن سكان العالم العربي يشكلون 5% من سكان الكرة الأرضية, وأن ناتج الكتب في تركيا وحدها يعادل ناتج جميع الدول العربية 1%, وإذا أردنا الاسترسال في مقارنة العالم العربي والإسلامي بدول العالم, سنكتشف أننا نعيش في كارثة وفي عصور ظلام أشد حلكة من عصور الظلام الأوربية.
من مظاهر الانحطاط العربي غزو دولة عربية لجارتها, واستباحة شعبها وأراضيها وثرواتها, وحرق كتبها كما فعل المغول, وأسر وقتل واغتصاب أبنائها وبناتها, ويقف العرب والمسلمون مع هذه الهمجية, ويصفقون لها.
هل هناك مخرج؟ نعم هناك مخارج فإذا كنا مغرمين بالعودة إلى الماضي, فلنستفد من الماضي المشرق الذي فصل فيه الدين عن الدولة, ولنعد الاعتبار إلى بناء الدولة المدنية الحديثة, التي يتساوى فيها المواطنين أمام القانون, وحيث حرية الفكر والاعتقاد واحترام الإنسان أساس للتقدم والتنمية, والارتكان إلى الدساتير التي وضعتها الشعوب بعد معاناة كبيرة.
المخرج يكون باحترام العقل والعلم والمنطق, وتأهيل المواطن تأهيلاً عالياً وخلق يد عاملة ماهرة, ووضع موازنات وسياسات جادة للبحث العلمي, وسياسات جادة للإصلاح والتنمية, وتقدير أبناء الدول من المبدعين ليس بالجوائز والدروع فقط, ولكن بإتاحة الفرصة لهم كي يقدموا أفضل الفنون والآداب والعلوم في أجواء من الحرية والاحترام.
إذا ابتعدنا عن المكابرة وضيق الأفق, فمن السهل قراءة التاريخ العربي والعالمي, القريب منه والبعيد للاستفادة من عوامل النجاحات والإخفاقات في مسيرتنا, ولعل أوضح درس أن الشعوب التي تنهض لا تبدأ نهضتها من الصفر, بل تستند إلى المنجزات البشرية التي سبقتها, كما حدث مع النهضة الإسلامية والنهضة الأوربية.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

لقراءة المقالات السابقة أرجع إلى:
www.osboha.blogspot.com

Tuesday, November 6, 2007

عصور الظلام-مظاهر الانحطاط الأوربي 2 من 3

عصر التنوير



في المقال السابق عرضت لما اصطلح عليه عصور الظلام في التاريخ الأوربي, الذي من سماته التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي, وانحطاط الثقافة والفنون والآداب, وانتشار ما سمي بالشعر الشعبي ومسرح الإسفاف, وكذلك ضعف المؤسسات المدنية والقوانين المنظمة للحياة, وازدراء العلوم والتكنولوجيا, وانتشار الخرافة والجهل والفساد, وأبرز عوامل وأسباب هذه الأوضاع سيطرة رجال الدين (الكنيسة) على الدولة والسياسة والحياة اليومية.
في عصور الظلام الأوربية تركزت ثروات كبيرة بيد رجال الدين, الذي امتصوا جهد وعرق الفلاحين والبسطاء باسم الدين, ففي بداية تنظيم الدين المسيحي وقبلها اليهودي فرض رجال الدين ال " Tithe " وهو عشر محصول أو مدخول الإنسان لصالح المعبد أو الكنيسة, ليوزع على الفقراء والمحتاجين, ثم أصبح بعدها يحول لصالح رجال الدين, لكن الأمر تطور ليصبح استثمارات ومصارف ضخمة, فإذا أراد المؤمن المسيحي ضمان الجنة المتمثل برضا رجال الدين يجب عليه الاستثمار في صناديق الكنيسة, واعتبر الاستثمار خارج هذا الإطار مخالف للدين, بل يصب لصالح الشيطان والفساد, ووصل جشع رجال الدين إلى بيع صكوك الغفران, وكان رجال الدين معفيين من الضرائب التي تفرضها قوانين الدول, كما كان لديهم حصانة لا يحاكمون بموجبها في المحاكم, وإذا ارتكب أحدهم جريمة يعفى من المحاكمة خاصة إذا كان يحفظ بعض من فصول الإنجيل.
ومارست الكنيسة إرهاباً فكرياً ضد مخالفي رأيها, وكفرتهم واتهمتهم بالهرطقة, فعذبت محاكم التفتيش معارضيها بوحشية, وأعدمتهم لأسباب واهية.
واستغلت الكنيسة انتشار الجهل لتأويل التعاليم المسيحية بما يناسب مصالحها وسيطرتها على شعوبها, وأصبح رجل الدين مقدس بصفته وكيل الله على الأرض, ورضا الله من رضا رجل الدين, واحتقر رجال الدين الحوار وكفروا استخدام العقل والمنطق والفلسفة والعلم والتكنولوجيا, واعتبروا الدعوة إلى التنوير دعوة للكفر والإلحاد, وكان اللافت للنظر أن الكنيسة ابتعدت تماماً عن قيم التسامح الديني, واحترام الأديان الأخرى بما فيها السماوية, بعدما كان عمود الدين المسيحي هو التسامح, لدرجة أنه "اذا صفعت على خد فأدر الخد الأخرى", لكن الكنيسة أثناء سيطرتها إبان عصور الظلام, أحرقت وخوزقت اليهود وأصحاب المذاهب المسيحية الأخرى غير الكاثوليكية, وجرجرت الشعراء والمفكرين إلى المحاكم وصادرت كتبهم وأحرقتها.
كان الإمبراطور قسطنطين هو من جعل المسيحية دين الدولة الرومانية في القرن الرابع الميلادي, بعدما قوي نفوذ المسيحيين وكادوا أن يسقطوا الإمبراطورية, ومزج قسطنطين التعاليم المسيحية بالتعاليم الوثنية, فجعل مثلاً يوم الأحد يوماً مقدساً عند المسيحيين, وهو بالأساس تقليد وثني وغيرها من الأمور, واستعان برجال الدين وفاوضهم لاقتسام السلطة, فجعلته الكنيسة رئيساً عليها, وممثل الله على الأرض, واستعانوا بمقولة القديس بولص " كل سلطة تقوم بإرادة الله, ومن يقاومها يعد مقاوماً لهذه الإرادة", وظل هذا التقليد عبر التاريخ, فملكة انجلترا الحالية هي رئيسة الكنيسة.
عندما بدأت أوربا تتحرر من سيطرة الإمبراطورية الرومانية, كانت عبارة عن قبائل بدائية, ثم تكونت الممالك ولحكم سيطرتها على شعوبها بدأت باستخدام سلاح الدين, وخاصة في ظل ضعف هذه الدول وتخلف قوانينها, ولاحقاً تشكلت الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي شملت كل أوروبا, لكن هذا "البعبع" كبر واستقوى وعظم نفوذه, وانقلب السحر على الساحر, فقد دمر رجال الدين كل انجاز حضاري ثقافي روماني, وأصبح الملوك والحكام ألعوبة بأيديهم, وتآمروا على الملوك الذين لا يلبون مصالحهم, أما بالاغتيال أو بتحريض ملوك آخرين عليهم, فقد كان الطابع اللا وطني هو طابع رجال الدين, لم يكن الوطن هو الأهم بل كانت مصالحهم الشخصية والسياسية ونفوذهم أهم من أي قيمة ومبدأ آخر, وسادت السرقات والرشوة والاستيلاء على أراضي الدولة والفلاحين, بحجج كثيرة منها نصرة الدين المسيحي, وما الحروب الصليبية إلا تتويجاً لمطامع رجال الدين في الأراضي العربية, التي أسموها أرض اللبن والعسل لفتح شهية الملوك, وحضوا البسطاء والفقراء للاستشهاد من أجل تخليص بيت المقدس من المسلمين الكفار.
لم يكن لسيطرة الكنيسة أن تستمر, لأن سلوكها كان ضد منطق التاريخ وضد مصالح الشعوب, التي كانت تحتاج إلى الحرية الشخصية والتحرر الذهني واستخدام المنطق والعقل من أجل التقدم والرفاهية, وقد كان جلياً لهذه الشعوب حجم الدمار والفساد الذي تسبب به رجال الدين لدولهم, فقد عانت من حجر الفكر والإبداع, عانت من المرض والفقر والتخلف والفساد والخيانة للأوطان, عانت من هدر أموال دولهم حتى عاشت في فقر مدقع وظلام دامس لقرون, عانت من ضعف الملوك والحكام وإذعانهم للكنيسة, فثاروا عليهم وتمردوا وجاءت عصور النهضة والتنوير لتغير مسار التاريخ البشري, وتجاوز الملوك خوفهم ورهبتهم من رجال الدين, فعزلوهم عن السياسة, مطبقين مقولة منسوبة للمسيح عليه السلام:" مال قيصر لقيصر, ومال الله لله", وقلصوا دور الكنيسة ونفوذها إلى حدود العبادات, وفاوضوهم لاحقاً بأن أبقوا لهم بعض المنافع والامتيازات الاقتصادية, على أن لا يتدخلوا في شئون إدارة البلد, وهددوهم بالضرب بيد من حديد إذا ما تجرأوا على ذلك, وتقلصت سلطة البابا السياسية في دولة صغيرة ذات بعد معنوي هي الفاتيكان.
كان للعلماء ولرجال الفكر والأدب والتنوير, دور هام في عصور النهضة الأوربية التي اجتاحت العالم وأصبحت أوربا أهم المراكز التجارية, كذلك كان لجرأة الملوك وحزمهم تجاه رجال الدين دور في إزالة العراقيل وفتح مجاري التقدم العلمي والتكنولوجي والفكري حتى يومنا هذا.
لكن هل انتهت تماماً سلطة الدين؟ بالتأكيد لا, فالحكومات الأوربية والأمريكية وخاصة أحزاب اليمين, ما زالت تستخدم الدين ورجاله كلما احتاج الأمر لذلك, ورضي رجال الدين بهذا الدور طالما يحصلون على نصيب معقول من المنافع الاقتصادية.


osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

عصور الظلام

جاليليو



تطلق صفة عصور الظلام في التاريخ الأوربي, على الفترة من 476 إلى 800 ميلادية, والبعض مدها لتصبح حتى 1000 ميلادي, وقد كان "فرانشيسكو بترارك" هو أول من أطلق هذا المصطلح عام 1330م, وهي فترة التحول من العصور الرومانية القديمة إلى نهاية العصور الوسطى.
ويصف مفكرو عصر النهضة "عصور الظلام الأوربية", بأنها عصور الانحطاط الفكري والاقتصادي والسياسي, والتخلف والاجتماعي والثقافي, قرون من السلوك اللا إنساني سادت خلالها الخرافة والجهل.
في هذه الفترة نقص وتراجع النشاط المعماري, وفقدت الثقافة اللاتينية أهميتها ومكانتها بما حملته من علوم وفلسفة وفنون وآداب, وتوقف تدوين التاريخ, وتم إفقار وسائل التكنولوجيا وازدراء استخدامها, ومحاربة التحضر والفكر التنويري, وانحسر الشعر الأوربي العظيم, وساد ما سمي بالشعر الشعبي والثقافة الشعبية ومسرح الإسفاف والتفاهة والانحطاط الفني والموضوعي والأخلاقي.
وتراجع الطب الأبوقراطي العظيم, والفلسفة الأفلاطونية والسقراطية, وساد بدلاً منها الطب الشعبي الذي يعتمد على الخرافات والخزعبلات المنسوبة للدين, وسادت نظريات متخلفة استخدم عبرها رجال الدين نفوذهم السياسي والديني وجهل الشعوب الأوربية لملئ خزائنهم بأموال الفقراء, وتغير ميزان الثروات فعاشت الشعوب في بؤس ومرض وفقر مدقع, وأثرى رجال الدين ثراءً فاحشاً, وأوهموا البسطاء أن من يضع أمواله في استثمارات الكنيسة سيدخل الجنة, مما أثار استياء التجار والساسة الذين فقدوا نفوذهم, وانتشر الفساد في أوربا بشكل ليس له مثيل في التاريخ الأوربي, وانتشرت حرائق الحروب وأقنع رجال الدين الملوك والحكومات التي أخضعوها لسيطرتهم بأن الحروب ستزيد من ثرواتهم, وفي الواقع ساق رجال الدين الفلاحين إلى المحرقة ليزدادوا ثراءً, لم تهمهم قط مصالح أوطانهم, بل كانوا يتآمرون على الملوك والوزراء الذين لا ينفذون مصالحهم, ويدخلون بلادهم في صراعات سياسية وطائفية دمرت أوربا قرون طويلة.
ورأى المفكرون مثل "إيمانويل كنت" و"فولتير", أن استعمال الدين بهذا الشكل وخضوع الحكام لهم, هو ما سمح بالتسلط الديني للوصول بأوربا إلى الانحطاط الاجتماعي وسيادة الفساد, إذ لم يكن يسمح لرأي مخالف دون اتهام بالكفر والهرطقة تصل إلى المحاكمات المتعسفة والتعذيب والإعدام حرقاً, لم يكن يجرؤ أحد على مناقشة نظريات علمية أو أدبية دون التعرض إلى إرهاب رجال الدين, وهذا ما حدث مع العالم "غاليليو" مخترع التلسكوب والذي قال أن الأرض غير ثابتة وهي ليست مركز الكون والقمر غير مسطح, وأن الشمس تدور حول الأرض, حوكم ووضع تحت الإقامة الجبرية لعشر سنوات ومنع من الكتابة والبحث العلمي, ومعروف صكوك الغفران التي تمنح لمن يدفع, ومحاكم التفتيش التي تلاحق من يعارضهم.
في فترة عصور الظلام بدأت الدول الإسلامية الحديثة بالنهوض, فالعصر الأموي الذي شهد أول دولة إسلامية حديثة وانتقالها من مجتمع البداوة إلى التحضر, كان في الفترة من 661 إلى 750م, وقد بلغت الدولة الإسلامية أوج تقدمها في الدولة العباسية في الفترة من 750 إلى غزو المغول لبغداد عام 1258م, ففي العصر العباسي الأول فقط انتشرت حركة التصنيف وتنظيم العلوم الإسلامية والترجمة من اللغات الأجنبية, وانتقل العرب من مرحلة التلقين إلى مرحلة التدوين في كتب وموسوعات, وأنشئ بيت الحكمة الذي يعتبر مجمعاً علمياً ضخماً يحوي مرصداً فلكياً ومكتبة جامعة وهيئة للترجمة وناسخين وخازني كتب ومجلدين وغيرهم, في هذه الفترة تسلم المسلمون العلوم في عصور الظلام الأوربية وأنقذوها من الفناء.
ورغم أن تسلط الكنيسة استمر بعد عصور الظلام, إلا أن التنوير أعلن عن انتصاره الحاسم لصالح منطق التاريخ, وهذا قاد أوربا إلى عصور رائعة من النهضة والتقدم في جميع المجالات العلمية والفكرية والأدبية والفنية, ورغم أن الكنيسة اعتبرت آراء المستنيرين هجوماً ضد الدين وانحرافاً عن الأصولية الدينية, إلا أن الشعوب وقفت مع الحرية الشخصية والانفتاح والتقدم, مع العقل والمنطق وليس الشعور, وضد تسلط وفساد رجال الدين, وحظيت هذه الشعوب برفاهية لقرون طويلة.
بدأ الانحطاط التدريجي في العالم الإسلامي بعد غزو المغول لبغداد, ولكنه ترسخ أثناء الغزو العثماني للدول العربية من 1300 إلى 1923م, هنا فقد العرب المسلمون الميزة التي جعلتهم يسودون العالم, وهي ميزة فصل الدين عن السياسة والحكم, ميزة الحرية والانفتاح الفكريين, وأصبح لرجال الدين نفوذ أكبر في سير السياسة والتعليم والحياة الاجتماعية, واحتقر العلم والفن والأدب, وانتشرت الخرافة وكتب السحر, واختفت مظاهر التحضر التي أذهلت أوربا وعادت قيم التخلف الاجتماعي والتعصب القبلي التي كانت سائدة في العصر الجاهلي وحاول الإسلام إنقاذ العرب منها, فضاعت الثروات وساد الفساد وحكمت الدكتاتوريات الشعوب العربية مستفيدة من أمثلة عصور الظلام, حتى أن هناك فتاوى انتشرت تقول :"من تعلم فقد تزندق", وامتد التحريم والتخويف الديني لكل مظاهر العلم والفكر, من الراديو والهاتف والسيارة ومكيف الهواء ولواقط الأقمار الصناعية والسينما, والبنوك, ومعرفة جنس الجنين في الرحم, والموسيقى والشعر "الذي يتبعه الغاوون".
أعلم أن هذا الموضوع يحتاج إلى بحث طويل, وكلمات كثيرة, لكن التاريخ يعطينا دروساً وعبر, ولم تتقدم أوربا إلا بالتعلم من عثراتها, استفادت من المثال الإسلامي في فصل الدين عن السياسة, وكل الحضارات والأمم استفادت من دروس التاريخ, وكلها بدأت الخطوة الأولى في الازدهار في اللحظة التي تم فيها فصل سلطة الأديان عن سلطة الدولة, وهذا ينطبق على الدول الإسلامية, ولذا استطاعت أوربا قهر عصور الظلام, ووصلت إلى قمة تقدمها في عصر النهضة وعصر التنوير, فاحتلت الكرة الأرضية وما زالت تنعم بميزة السيادة والتفوق, لكن الأمر استلزم جرأة وشجاعة من ملوك أوربا لوقف التسلط والإرهاب الدينيين, والنهوض بشعوبهم وبلدانهم.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

العيد




في الماضي كان أهم ما في العيد هو عشيته بالنسبة للصغار, فأجواء التحضيرات مثل تنظيف أحواش المنازل بالليل ورشها بالماء, وتحضير "قرص العقيلي" وهو كعك العيد, وغسل الرجال لسياراتهم, والتزاحم عند الحلاقين, ويبالغ بعض الرجال فيذهبون إلى "حمام قبازرد", وتبذل النساء جهداً في تزيين أنفسهن وإزالة الشعر عن أجسادهن, أما الأطفال فليلتهم طويلة ينتظرون فجر الغد بفارغ الصبر, ويظلون طوال الليل ينظرون إلى ملابسهم الجديدة, يعلقون "الدشاديش" الجديدة وتحتها الجوارب والأحذية الجديدة وحتى الملابس الداخلية جديدة, كان إذاعة أغنية "العيد هل هلاله" لمحمود الكويتي ثبوتاً لرؤية الهلال بالنسبة للأطفال.
وفي الفجر قبل صلاة العيد تبدأ أصوات تحضير الإفطار, فتسمع "طقطقة" الفحم ب"الدوة" وغليان أباريق الشاي والحليب, وتشم رائحة قرص العقيلي ورائحة بخور المستعدين لصلاة العيد.
في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات, كنت مصاحباً لجدي, فكان رحمه الله يأخذني ليلة العيد في مشوار محدد, نذهب أولاً للسوق لشراء الحلوى والرهش والمكسرات والبن والشاي والفحم, لكن لدينا اكتفاء ذاتي بالحليب والبيض والدجاج والخراف, فبيتنا في حولي كان به حوش خاص "بالدبش" يحوي أبقاراً وأغناماً ودجاج وفرس وبعيرين, فلم يكن جدي يشتري هذه الحاجات.
وفي فجر العيد كنت أستيقظ على صوته, فأستحم وألبس ملابسي الجديدة ونذهب لصلاة العيد في المسجد المقرر أن تكون به الصلاة, وبعد الصلاة يعايد الناس على بعضهم, في هذا الوقت, تشرف النساء على غداء العيد, فبعد ذبح الخراف وتنظيفها يتم طبخها, ففي عيد الفطر لم يكن إفطار العيد هو المهم بل كان غداء العيد المبكر هو الأهم, كنت أجلس قرب جدي على "دكة" البيت الطويلة نراقب ذبح الخراف ونستقبل المعايدين, وكان أطفال الحي يدورون على البيوت ليعايدوا وليأخذوا العيدية, وكان جدي يوزع النقود حسب فئاتها, فالآنات في صرة, والروبيات في جيب وفئة الخمس روبيات في الجيب الآخر, وكان أحياناً يتحسس طرف العملة بلثته الدرداء ليعرف فئتها أو قيمتها, وأحياناً كان يسألني:"شهاذي؟" أو هذه كم؟ ثم يعطيها للأطفال.
لكن المظهر الأجمل أن السماط المفروش في البحرة أو من زاوية مسجد بن عويد الذي يبدأ بالامتداد فكل بيت يفرش سماطاً أو اثنين أو أكثر, حتى تصبح سفرة الطعام طويلة, وتبدأ صواني الرز واللحم والمرق بالوصول من البيوت, ويقف جدي ليتأكد من حضور الجميع, وإذا رأى أحد المارة أياً كان, عامل أو عابر, يقول: "نادوه", وبعد جلوس كل أعيان الحي وأبناءهم وصبيانهم أو خدمهم, يلتفت لي قائلاً: "باجي أحد؟", فأجيب وأنا متلهف على الغداء الشهي: "لا يبا ما بقى أحد", يقول: " يلا أقعد وسم", فأجلس إلى جانبه وأشاركه ومجموعة من الرجال إحدى الصواني الكبيرة, أتذكر أن الغداء كان وقت الضحى تقريباً, وهذا المظهر الجميل رسخ في ذهني, وشكل رمزاً للعيد أكثر من العيدية و"الدوارف" أو "الديارف" بلهجة البعض.
افتقدت هذا المظهر الذي كان يعكس التلاحم والمشاركة والكرم بين أبناء الحي, لم يعد موجوداً في هذه الأيام, ولا يشعر الشباب والأطفال بهذه القيمة المعنوية لمظاهر العيد, بل أن في بعض البيوت لا يبارك الأبناء أهلهم بالعيد, ويعتبرون ذلك من مظاهر الماضي المتخلف, مثل مظهر الوداع والسلام قبل وبعد السفر, الذي لم يعد موجوداً في بعض البيوت, فبعض الأبناء يستنكفون تقبيل والديهم أو حتى لمسهم.
للأعياد تأثير نفسي غالباً ما يكون إيجابيا, فبالنسبة للإنسان فإن المناسبات التي تتضمن استعدادات ومظاهر خاصة, لها تأثير إيجابي على النفس, وخاصة أن الأمر متعلق بلبس جديد ومظهر جديد, ومن الناحية العلمية فإن شراء ملابس جديدة, أو تغيير شكل مثل الحلاقة, يترك تأثيراً إيجابياً على النفس البشرية, ولذا فإن كثيراً من النساء يشعرن بارتياح بعد التسوق, أو إذا شعرن بتوتر أو اكتئاب يتجهن إلى الشراء, وعادة عندما يأتي إلى عيادتي إنسان مكتئب, غير حليق ويبدو من شكله الإهمال, أول نصيحة أقدمها له بأن يحلق ويستحم ويلبس ملابس جديدة أو نظيفة على الأقل, وهذا كفيل بتعديل مزاجه, إذ أن هناك علاقة جدلية بين الشكل والمضمون, فالشخص السعيد يحاول اختيار أجمل ملابسه, بينما المكتئب يلبس الموجود أمامه, وهذا ينطبق على شكل جلسته ومشيته ونبرة صوته.
إذاً لو جعلنا كل أيام حياتنا عيداً, فقد نساعد أنفسنا على الشعور الإيجابي.
وكل عام وأنتم بخير وفرح.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

الشيخ الفنان





فقدت الكويت وأهلها الأسبوع الماضي, المغفور له الشيخ سالم صباح السالم الصباح, أبن أمير الكويت الأسبق الشيخ صباح السالم الصباح, ورجل الدولة المحبوب شعبياً الذي تقلد عدد من المناصب الحكومية.
في مرحلة الدراسة الثانوية جمعتني صداقة وزمالة مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الحالي الشيخ محمد صباح السالم الصباح, ومعرفة جيدة وعلاقة احترام مع أخويه الشيخ أحمد الصباح والشيخ بدر الصباح, وأحتفظ بذكريات جميلة مع الشيخ محمد منها الخروج للبر وصيد الجرابيع, ومنها اجتماعنا شبه الأسبوعي في قصر المسيلة, والتجمع عند "ملك العصير" بالسالمية, كانت هذه الأسرة من أكثر الأسر تواضعاً وحباً للناس رغم أن والدهم رحمه الله كان أميراً لدولة الكويت, كل طلبة ثانوية الرميثية وأساتذتها يلمسون حجم تواضع هؤلاء الأخوة وحسن تربيتهم, ولذا فالشيخ محمد حظي بشعبية كبيرة في المدرسة, كان يعاني في الدراسة معاناة طالب الثانوية, وكنا ندرس سوياً ولم يكن مستهتراً بصفته أبن الأمير, وعندما حصلت حادثة "الصامتة" عام 1973م, وهي حادثة اعتداء العراق على الحدود الكويتية, وقفنا في الساحة ورفضنا الدخول إلى الفصول, وعندما جاءنا ناظر المدرسة الأستاذ الفاضل أطال الله في عمره عبدالله اللقمان مستفسراً, قلنا له الشيخ محمد وأنا لن ندرس, نريد أن نحمل السلاح ونتعلم حماية الكويت, وكانت وجوهنا غاضبة, فكان رد الأستاذ عبدالله :"لا تدرسون وشوفوا شتبون وأنا حاضر", وأذكر أنني كتبت قصيدة على وزن وقافية قصيدة حمود الناصر البدر "ياراكبين أكوار ست تبارى", وتجمع حولنا مجموعة كبيرة من الطلبة يستفسرون عن سبب اعتصامنا, فأخبرناهم بأننا نطالب بتدريب عسكري وحمل السلاح, وحتى يتم ذلك لن ندرس, وبالفعل ما هي إلا أيام حتى أعلن الحرس الوطني عن حملة تدريب أسماها "نظام الفتوة", وكنا الشيخ محمد وأنا أول المتحمسين والمسجلين في هذا النظام, وكنا نجتهد في التدريب ونتسابق على دقة التصويب, كان الغبار يعلو وجوهنا جميعاً, لم نكن نشعر بفرق بين شيخ ومواطن عادي, كلنا كنا كويتيين, بل كان الشيخ محمد بكرم أخلاقه العالية مثال الانضباط.
في تلك الفترة كانت معرفتي بالمرحوم الشيخ علي الصباح سطحية, ولم تكن لي معرفة إطلاقاً بالمرحوم الشيخ سالم الصباح, لكني تصورت خطأً أن تواضع الشيخ محمد والشيخ بدر راجع لشخصيتيهما وسماتهما الشخصية, وليس بسبب تربية أسرية راسخة, رغم أني كنت قابلت الشيخ صباح السالم الصباح رحمه الله في الكويت ولبنان في أكثر من مناسبة ولمست حجم تواضعه الأبوي.
وفي رمضان عام1975م كان الشيخ سالم رحمه الله للتو قد تولى وزارة الشئون, قابلت مدير مكتبه للتوقيع على معاملة, ثم فوجئت به يقول :"الشيخ يبي يشوفك", فدخلت عليه نهض وصافحني وقال مشيراً للكرسي:"تفضل", كنت شاباً أدرس في القاهرة, وسألني عن بعض أمور تتعلق بأسرتي, ومن هو والدي, ثم تفرع الحديث إلى الفن والثقافة في الكويت, وسألني إن كنت أكتب أو أعزف على آلة موسيقية, فأخبرته أنني كنت أكتب الشعر والآن أكتب القصة القصيرة, فطالت الجلسة واستمتعنا بالحديث, وطلب أن أزوره دون مواعيد عندما أعود إلى الكويت في الإجازات.
هنا تذكرت صداقتي مع الشيخ محمد, وعرفت أن التواضع والأخلاق الراقية ومحبة الناس هي غرس في تربية والدهم, هي نشأة جعلت أبناء هذا الرجل في غاية الشعبية, كان أبو باسل متواضعاً ودوداً محباً بشكل كبير للكويت وأهلها وفنها وثقافتها, كان ذو عقل متفتح محباً للحوار, وكان يفتح قلبه ببساطة وعفوية حالما يتأكد من جالسه, كنت أشعر أنه أخي الكبير أثناء حديثه الصادق.
عرفت منه أنه يهوى الفن والموسيقى, بل لديه مؤلفات جيدة موسيقياً, رغم أنه لم يدرس الموسيقى, بل أنه قدم مساعدات كبيرة للفنانين, حتى أنه ذكر لي تشجيعه لفرقة رباعي الكويت, التي كان الفنان عبدالله رويشد عضواً فيها, وذكر أكثر من مرة بأسف أنه ساعد أناس داخل وخارج الكويت جحدوا لاحقاً, لكن ذلك لم يوقف عمله للخير, فأياديه البيضاء امتدت للجميع, سواء طلبوا أم لم يطلبوا, غمر الجميع بطيبته وابتسامته.
ثم التقيت به في مناسبات رسمية واجتماعية مختلفة, كان آخرها ربما عام 1998م في مسرح الشامية عندما كنا المرحوم حمد الرجيب وأنا نحضر تدريبات وبروفات الفرقة الوطنية للموسيقى لتقديم أمسية في مهرجان القرين الثقافي, والذي يقيمه سنوياً المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, فحضر الشيخ سالم بوجود المرحوم عبدالرؤوف إسماعيل الذي وزع ألحان الشيخ سالم وقاد الفرقة لعزفها, وتبادلنا خلال وجودنا أحاديث جميلة تتعلق بالفن والموسيقى, كان سعيداً بفكرة تأسيس الفرقة, وقلت له نفكر بتأسيس فرقة للموسيقى الكلاسيكية العالمية وأخرى للأطفال, فابتهج رحمه الله وقال أنا مستعد لأي خدمة أو مساعدة في سبيل الفن في الكويت ورفعته, لكن للأسف لم يتحقق هذا المشروع.
ولدي الآن صورة تجمعني مع العمالقة في هذا اللقاء الأخير, الشيخ سالم الصباح والأستاذ حمد الرجيب, والأستاذ عبدالرؤوف اسماعيل رحمهم الله جميعاً.
نسأل الله أن يرحم الشيخ سالم صباح السالم الصباح, ويسكنه الجنات, ويلهم ذويه الصبر والسلوان.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

Monday, November 5, 2007

صباح الخير يا باريس 4 من 4














كانت رحلة متعبة من فينيسيا الإيطالية, إلى باريس الفرنسية إذ استغرقت الليل بطوله, بدأت الرحلة في الثامنة مساء, ووصلنا إلى باريس في الثامنة صباحاً, وفي أثنائها مر بنا القطار بمحاذاة جبال الألب مروراً بلوزان في الأراضي السويسرية, فأراضي شمال شرق فرنسا, ثم باتجاه الشمال إلى باريس.
لم يكن نومي مريحاً أو مستمراً, بل كان قلقاً وكان السرير ضيقاً, وبالطبع نمت بملابسي "الجينز والتي شيرت", فقد كنا ستة أشخاص في كبينة صغيرة تحوي ست أسرة, كل ثلاث فوق بعض, وفي النهار تتحول الأسرة إلى كراسي, وبين زملاء الكابينة زوجان فرنسيان كبيران بالسن كانا عائدين من رحلة استكشافية حول العالم, يحملان حقيبتاهما على ظهريهما, ويستخدمان كل وسائل التنقل, فهما يعملان ستة أشهر في السنة, ويسافران الستة أشهر الأخرى, كانا في غاية اللطف والحيوية رغم أنهما تجاوزا منتصف الستينيات, تبادلنا أثناء الرحلة الحديث حول مختلف المواضيع, وتشاركنا بطعامنا وتبادلنا عناوين الكتب التي كنا نقرأها أثناء الرحلة, وسألتهما عن تكاليف رحلتهما التي استغرقت ستة أشهر, واندهشت أنها لم تكن مكلفة أبداً بالنسبة إلى المدة التي قضياها والبلاد التي زاراها, وتذكرت أنه في الكويت هناك أشخاص يقترضون من البنوك آلافاً من الدنانير لكي يسافروا أسبوعين أو ثلاثة.
كان المطر ينهمر بلا توقف في باريس, ولأن محطة المترو كانت بعيدة نسبية, اضطررت إلى الوقوف في طابور طويل في محطة انتظار التاكسي المكشوفة, ولم أكن أحسب حساباً لتغير الطقس المفاجئ, بينما أخرج الأوربيين مظلات ومعاطف خاصة للمطر, ولكم أن تتخيلوا حجم البلل ولفحة الهواء البارد, وكأن الأمر استغرق دهراً حتى أتى دوري لركوب التاكسي.
تقع باريس على نهر السين في شمال فرنسا, وتعتبر إحدى مراكز الثقافة والاقتصاد وإدارة الأعمال, كما تعتبر من الجهات السياحية الهامة في العالم, إذ يتوافد عليها أكثر من ثلاثين مليون زائر بالسنة, وفيها علامات مميزة وشهيرة, مثل برج إيفل وكاتدرائية نوتر دام, وقوس النصر وميدان الكونكورد, ودار الأوبرا وأوبرا الباستيل الحديثة, ومتحف اللوفر, والشانزليزيه وفندق الريتز الذي بني عام 1898م, وجبل المونت مارت والعديد من المتاحف والمعارض التشكيلية, ومسارح العروض الفنية الشهيرة, مثل "ليدو" و"مولان روج" أو الطاحونة الحمراء وغيرها من المعالم السياحية الهامة, كما يوجد بها معهد العالم العربي.
ويعتقد كثير من الناس أن لقبها "مدينة النور" أتي من كونها مدينة لا تنام, ولكن في الحقيقة سميت كذلك لأنها كانت مركز العلم والتنوير, ولأنها بدأت مبكراً في إنارة الشوارع, وقد تعلم بها كثير من أدباء ومفكري ومثقفي العالم بمن فيهم العرب, منذ ما قبل القرن التاسع عشر.
وتنتشر في أرجاء باريس وعلى أرصفتها العديد من المقاهي, التي أصبحت جزءً مكملاً للثقافة الفرنسية, منذ افتتاح "مقهى ريجنس" café regence عام 1688م ومقهى الضفة الشمالية left bank café procope عام 1789م, وأصبحت هذه المقاهي شائعة جداً في القرن الثامن عشر, وبعد تصميم أرصفة الشوارع في القرن التاسع عشر انتشرت هذه المقاهي بشكل كبير, ومن المقاهي الشهيرة كذلك مقهى "ليتوال 1903" الذي تأسس عام 1903م, ومقهى "جورج سانك" أو جورج الخامس الذي تأسس حوالي 1930م, وتعتبر بعض المقاهي المعروفة منتديات ثقافية, وتجمع للفنانين والأدباء, وقد تم تقليدها في بعض المدن العربية مثل بيروت والقاهرة.
وإذا كنت في باريس ولم تر متحف اللوفر Louvre, فقد أضعت فرصة العمر, فاللوفر الذي يسمى جوهرة تاج فرنسا الثقافي, يعتبر من أهم المعالم الثقافية في العالم, وقد كان المبنى في القرن الثاني عشر عبارة عن قلعة, وتطورت عبر التاريخ, وأضاف لها الملوك المتعاقبين الكثير من التحسينات والأعمال الفنية من مقتنياتهم والمسروقة من البلدان الأخرى, وأفتتح رسمياً كمتحف في العام 1793م, واكسب فرنسا سمعة ثقافية لا نظير لها.
وبعد تصميم المدخل الحديث على شكل هرم زجاجي, على يد المهندس الياباني "بيا" pei-أظن هكذا ينطق- ازداد عدد الزوار, إذ يبلغ أكثر من ستة ملايين زائر بالسنة, وهو إضافة إلى القاعات الضخمة للأعمال الفنية, يحوي كذلك مكتبات ومحلات لبيع التذكارات ومطاعم ومقاه, ومن أهم الأعمال الفنية في المتحف, أعمال لدافنشي ورمبرانت وسيزان وغيرهم.
وهناك ظاهرة جديدة في اللوفر هذا العام, فبعد نشر الروائي دان براون لروايته "شيفرة دافنشي" DA Vinci code , انصب اهتمام الجمهور العالمي على لوحة "فيرجن أوف ذا روك" virgin of the rock التي ذكرها في روايته, فبعد أن كان الجمهور يمر عليها بشكل سريع في السنوات الماضية, أصبحت تنافس لوحة "الموناليزا" في الازدحام, إضافة إلى الإعلانات الدعائية الضخمة للرواية, والتذكارات المطبوع عليها غلاف الرواية, ولا أظن أن هناك روائياً يحلم بهكذا دعاية.
وبالطبع لم أغادر باريس دون زيارة جبل الفن "جبل مونت مارت" Montmartre, وهو تل عالي يشرف على باريس, ويشتهر بمقاهيه وبتجمعات الفنانين التشكيليين الذين يرسمون بالهواء الطلق, والفنانون معظمهم من فرنسا, ولكن تجد بينهم من دول أخرى, وفي الجبل عدة متاحف لعل من أهمها متحف الفنان العبقري/ المجنون صاحب المدرسة السريالية "سلفادور دالي", كما أن المونت مارت ضم عبر التاريخ فنانين عالميين كبار, مثل دالي, مونيه, بيكاسو, فان غوخ وماتيس وغيرهم.
كانت رحلة باريس رحلة تثقيفية وترفيهية ممتعة, غذيت بها روحي وذهني, وتعلمت فيها الكثير, بل كانت رحلتي للمدن الأربع روما, فلورنسا, فينيسا, وباريس, أفضل من قراءة عشرات الكتب.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

صباح الخير يا فينيسيا 3 من 4







ثم انتقلت بعد فلورنسا إلى فينيسيا بواسطة القطار أيضاً, مما أتاح لي رؤية مناظر طبيعية خلابة ومدن وقرى إيطالية كثيرة خلال الثلاث ساعات التي استغرقتها الرحلة, كانت الشمس الدافئة تعكس الحقول الممتدة, والتلال الخضراء, وتكشف بهاء الزهور البرية بعد بلل الندى الصباحي, وكان لحركة القطار فعل الربت على النفس, وكان صوت العجلات على السكة الحديد, يشيع شعوراً ما وشجناً لروما وفلورنسا, اللتين تركتهما دون ارتواء روحي, وشبع ذهني, وفي نفس اللحظة كانت حركة الغيوم الخفيفة في السماء تستثير في تشوقاً للآتي .. لفينيسيا.
من محطة "سانتا لوتشيا" santa lucia, أقلتني الحافلة المائية إلى جزيرة "ليدو" Lido البعيدة نسبياً, حيث يقع فندقي, وقد استغرقت الرحلة قرابة الأربعين دقيقة مع التوقف في محطات مختلفة, وبسبب تعبي من الحقيبة المحمولة على ظهري, استأجرت تاكسياً وطلبت منه إيصالي إلى فندقي, وبعد فترة ليست بالطويلة أوقفني أمام قصر, يتجمع أمامه مجموعة من السياح ليصوروه, وكانت تصدح منه موسيقى شوبان, فالتفت إلى سائقي وقلت له أنت مخطئ أنا لم أطلب متحفاً, وأعطيته ورقة بها عنوان الفندق, فقال: "هذا هو فندقك", دخلت متشككاً لكني فوجئت باستقبال موظفي الفندق, وتأكيدهم على وجود حجز لي.
كان الفندق قصراً بني عام 1905م, وهو يتميز بالنقوش المحفورة والرسومات على جدرانه الخارجية, وتتميز غرفه بحفاظها على طابعها القديم, والتي صمم ديكوراتها أحد أشهر المصممين الفينيسيين, وتقديراً لهذا المهندس والفنان, علقت على الجدران صوره وصور مخططات تصميماته للأثاث, ويحد الجزيرة من ناحية الغرب "البحيرة الفينيسية" ومن الشرق بحر الأدرياتيك.
والجزيرة التي اخترت الإقامة فيها تتميز بالهدوء, فهي بعيدة عن الازدحام السياحي, وعندما أتحدث عن الازدحام أقصد صعوبة الحركة في الشوارع والساحات التاريخية دون مبالغة, فالساحات التاريخية الشهيرة مثل "سانت ماركو" s. Marco "وسانت زكريا" s. Zachariah , مزدحمة على مدار الساعة, وفنها المعماري الفريد ذو تأثير شعوري ممتع على النفس والعقل, في هذه الساحات يزاحم الحمام السياح, لدرجة أن المرء يخشى أن يطأ عليه.
لكنني عادة لا أكتفي بالساحات وأماكن تجمع السياح, بل أدخل كل زقاق ومنعطف, وكأني أسير على غير هدى, يقودني حس الاكتشاف, وأطلق العنان لخيالي لأتصور كيف كان يعيش الناس في العصور الذهبية, عندما كانت إمكانات الفينيسيين وطاقاتهم الفنية والأدبية والعلمية والمعمارية في أوجها, حيث انطلقت هذه الإمكانات لتصنع واحدة من أجمل المدن في الدنيا.
فينيسيا هي عاصمة منطقة "فينيتو" Veneto, وقد اكتسبت عدة أسماء, مثل "ملكة الأدرياتيك" و"مدينة الماء" و"مدينة الجسور" و"مدينة النور", وهي تمتد على مجموعة من الجزر الصغيرة في شمال إيطاليا, وقد بلغ عدد سكانها حتى عام 2004م, 271,251 نسمة, وتتميز بجسورها الأربعمائة وقنواتها المتشعبة, وتقع في الناحية الشرقية على بحر الأدرياتيك, وهي مدينة استثنائية لا تشبهها مدينة في الكرة الأرضية, بل هي المدينة الوحيدة في العالم التي تستخدم القوارب في مواصلاتها, فالتنقل بين الجزر يتم أما بالحافلة المائية أو بالتاكسي المائي الخاص, أو بالجندول هذا القارب الرومانسي الشهير.
وقد منحها موقعها على الأدرياتيك عبر التاريخ مركزاً تجارياً هاماً وانفتاحاً على الشعوب والثقافات المختلفة, خاصة العالم الإسلامي, فقد كانت محطة تجارية هامة بين الشرق وأوربا الغربية, وكانت تستورد التوابل والحرير والسجاد والقطع الفنية الشرقية وغيرها, ومعروف لدى الجميع رحلات ومغامرات الرحالة "ماركو بولو" الذي عرف الأوربيين على الحرير والبارود الصينيين, ورغم صغر المدينة فقد كانت تمتلك في أواخر القرن الثالث عشر أكثر من 3300 سفينة تجارية, يعمل عليها أكثر من 36000 بحاراً, يسيطرون على تجارة البحر المتوسط, وفي هذه الفترة بنيت القصور الفخمة ذات الطابع الفريد, وخلالها تم دعم الثقافة والفن والأدب وارتفعت مكانة المبدعين والعلماء.
كما أن وجودها على ثغر الأدرياتيك, جعلها قوة عسكرية بحرية لا تقهر في ذاك الزمان, بل أن الحملة الصليبية الرابعة انطلقت من فينيسيا حاملة آلاف الجنود الأوروبيين إلى محرقة الحرب الدينية.
وحين استولى السلطان العثماني محمد الفاتح على الإمبراطورية البيزنطية عام 1453م, فقدت فينيسيا جزءً من نفوذها التجاري, وهذه كانت إحدى دوافع الأوربيين لإيجاد طرق تجارية أخرى بين القرنين الثامن والثاني عشر.
لكن جمهورية فينيسيا فقدت استقلالها بعد غزو نابليون لها عام 1797م, وأنهى بذلك قرون من التاريخ المذهل, فقد كانت أكثر مدن أوربا تميزاً في الفن والعمارة والأدب, ولا يمكن إغفال التأثير الإسلامي على فنها المعماري.
والجدير بالذكر أن نابليون ألغى "الغيتو" وهدم الجدار الذي كان يعزل سكن اليهود, مما اعتبره الفينيسيون علامة انحطاط.
وقد أنجبت فينيسيا في عصورها القديمة والحديثة, العديد من الشخصيات الفنية والأدبية المعروفة بالتاريخ, مثل الموسيقار العبقري فيفالدي الذي ولد عام 1678م, وكذلك الرحالة ماركو بولو الذي ولد عام 1254م, والموسيقار الرائع ألبينوني عام 1671م, والشخصية التي أثارت جدلاً تاريخياً واجتماعياً وفلسفياً جياكومو كازانوفا الذي ولد عام 1725م, وغيرهم, كما أن من أشهر الأعمال الأدبية التي كتبت حول البيئة الفينيسية مسرحية تاجر البندقية لوليم شكسبير, لكن هناك الكثير من الروايات والأفلام التي كتبت في سنوات التسعينيات, والسنوات السبع الأخيرة وكانت فينيسيا هي الأجواء.
مدينة فينيسيا مصدر مثير وملهم لخيال الأدباء والفنانين, ومثال حي عبر العصور على أهمية الانفتاح الفكري لتقدم الشعوب, وبقعة في هذه الأرض تستحق أن تشاهد ولو مرة في العمر.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

صباح الخير يا فلورنسا 2 من 4













انتقلت من روما إلى فلورنسا بالقطار, واستمتعت بمناظر المدن والقرى الإيطالية في الطريق, وكنت قد اخترت فندقاً يبعد ثلاثين كيلو متراً, أو عشرين دقيقة بالسيارة عن المدينة فلورنسا, والفندق عبارة عن فيلا بنيت في القرن السادس عشر, مكونة من دورين فقط, وهو في مقاطعة "توسكانيا" المذهلة بجمالها وأجوائها, بتلالها وسهولها وخضرتها, ومزارع العنب الممتدة إلى الأفق.
فلورنسا مدينة مذهلة, صغيرة لكنها أعجوبة بمبانيها التي تشكل فناً تشكيلياً نادراً من الناحية التاريخية, فلا يوجد بالعالم شيئاً يشبهها, يشعر المرء بنشوة ومتعة ذهنية وهو يجوب أزقة فلورنسا وجسورها القديمة.
ففلورنسا كانت موجودة كحضارة في القرن السادس قبل الميلاد, فيما كان يسمى "فيزولي ستيلا", كما كانت جمهورية في القرن الأول قبل الميلاد, وأصبحت مستعمرة رومانية عام 59 قبل الميلاد, وفي عام 1865م أصبحت فلورنسا عاصمة إيطاليا.
أما فلورنسا في عصر النهضة, فقد كانت مدهشة في هذه الفترة الرائعة من فترات تاريخ البشرية, ففيها تم إنجاز تنمية وتقدم هائلين في العمارة والأدب والشعر والفنون, وتطور النظام القانوني والسياسي, وغيرها من الجوانب الاجتماعية والإنسانية, كان ذلك في القرن الخامس عشر وما قبله بقليل, وبتقدمها وتقديرها للثقافة والفنون, أنجبت أعظم الفنانين والأدباء والمفكرين والعلماء في تاريخ البشرية, مثل ليوناردو دافنشي الذي ولد عام 1452م, والشاعر الإيطالي الفذ دانتي صاحب كتاب الكوميديا الإلهية ومؤسس اللغة الإيطالية الحديثة وهو مولود عام 1265م, ومايكل أنجلو النحات الأهم في تاريخ الفن الذي ولد عام 1475م, وغيرهم الكثير ممن قدموا لفلورنسا هالة ومكانة ستستمر للأبد, مكانة لا يستطيع النفط وحده تقديمها.
فساحة الفنان الرائع مايكل أنجلو, عبارة عن جبل مرتفع أو شرفة كبيرة تطل على كل فلورنسا ونهر "أرنو" Arno وقبب المباني التاريخية , وهي تعج بسياح من كل أرجاء الدنيا, وتحوي ضريح مايكل أنجلو, وفيها ظاهرة جميلة, وهي أن المتزوجين حديثاً ومن جميع البلدان يأتون بملابس العرس للتصوير هناك, رأيت هذا الأمر في أماكن عديدة لكنني لم أره بهذه الكثافة وهذا التنوع بالجنسيات مثلما رأيته في ساحة مايكل أنجلو, أيعقل كل ذلك التقدير للفن والفنانين؟! فمن اليابان وأفريقيا وأمريكا الجنوبية, وآسيا وأوروبا, أزواج جاءوا من جميع قارات الأرض لتقدير الفن.
في الساحة "بيازا ديلاسنيوريا" تماثيل كثيرة, وموسيقي شوارع, ومقاه عديدة بعضها تاريخي, وأهم تماثيل هذه الساحة تمثال داود وهو رائعة مايكل أنجلو, هذا التمثال الذي يعتبر أقرب إلى الكمال في الفن التشكيلي, لم ينحته باستخدام موديل واحد, ولكنه اختار أجزاء من أشخاص مختلفين, فأتي بصاحب أجمل ذراع وأجمل جذع ورأس وأرجل, وهكذا حتى نحت أجمل تمثال في التاريخ, ولذا يأتي لزيارته سياح من جميع أرجاء العالم, وكل أمنياتهم أنهم يصورون أنفسهم أمامه, وفي تلك اللحظة وأنا أصارع كي أجد لي مكاناً حتى أستطيع تصوير هذه التحفة الفنية الرائعة, تذكرت كلمة الأستاذ أحمد الصراف عندما قال أنه وهو عائد من أحدي الرحلات أحضر تماثيل صغيرة معه, وعندما رآها الرقيب في مطار الكويت حطمها بالمطرقة دون اعتذار أو تفسير, وتمثال داود يأتي إليه ملايين البشر من كل أرجاء الدنيا فقط ليشاهدوه, وتذكرت كذلك حديث الفنان التشكيلي حسين مسيب عندما قال, أن مدير المعارف في الكويت والرائد الثقافي عبد العزيز حسين كان يعجب بتماثيله ويوفر له كل الإمكانيات للإبداع, وأن رئيس المعارف الشيخ عبدالله الجابر كان يشجع النحت, وأن لدينا نحاتين على مستوى عالمي مثل الفنان الراحل عيسى صقر والفنان الكبير سامي محمد, الذي قدم له الشيخ صقر القاسمي حاكم الشارقة كل المساعدات والتسهيلات لكي يبدع, ولديه الآن مشغل في الشارقة.
وعندما رأيت اهتمام الحكومة الإيطالية بالحفاظ على المباني القديمة والتاريخية, تأسفت لضياع معالم الكويت القديمة, وهدمها بلا مبالاة من أجل المجمعات التجارية والزجاجية, التي أخفت هويتنا التاريخية, لدرجة أن أبناءنا لا يتخيلون كيف كانت الكويت, ولا كيف كان يعيش أجدادهم.
وعندما تعبت من التجوال وحان وقت الغداء, اتجهت إلى المقاهي التقليدية والشهيرة, فوجدت ازدحاماً غير طبيعي, فاضطررت إلى انتظار دوري حتى تفرغ أحدى الطاولات, وإذا بي أسمع صوت امرأة كويتية تنادي على أبنائها: "حمود خلود تعالوا لقينا ماكدونالد", عجيب, فالناس من جميع أرجاء الدنيا تتكالب على المقاهي والمطاعم التاريخية, والكويتيين يبحثون عن مكدونالد وستار بوكس.
في فلورنسا تعلمت أشياء كثيرة, وفي كل مرة أتعلم أن الثقافة هي جسر التواصل مع العالم, وأنها مقياس التقدم والتحضر, وأن لا تقدم دون تنمية للإنسان وذائقته, ولقد حظيت الكويت في عقود سابقة, بتقدير دولي بسبب اهتمامها بالثقافة, وخسرت هذا الاهتمام بسبب إهمالها لهذا الجانب التنموي الحيوي, ولنتذكر أنه لأهمية هذا الأمر قام الطاغية صدام حسين باستهداف المؤسسات الثقافية أولاً, مثل جامعة الكويت ومعهد الكويت للأبحاث العلمية والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وقام هتلر بتفجير قبر الروائيين الروسيين دوستيفسكي وتولستوي.
ولنتذكر جميعاً أن غوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر قد قال مرة:"كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي", مما يدلل على أهميتها وقوتها ورعب الطغاة منها, بينما تستقوي الأمم والشعوب وتصنع تاريخها بالثقافة.


osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com


صباح الخير يا روما





استراحة المحارب




تدهشني روما كلما زرتها, فبعض المدن عندما تزورها مرة, تقع في عشقها فتزورها باستمرار, أنا وقعت في حب روما من الزيارة الأولى قبل سنوات عديدة.
عندما زرتها أول مرة قبل عدة سنوات, كانت زيارة مرور (ترانزيت) وعندما رأيت شوارعها ومبانيها القديمة وآثارها وأنا في التاكسي من المطار إلى الفندق, أحسست بأن هذه المدينة مألوفة, وكأنني قد عشت بها من قبل, فنزلت من التاكسي وتجولت على قدمي لساعات طويلة دون أن أشعر بتعب أو كلل, ومن يومها وأنا أكرر زيارتي لروما ومدن إيطاليا الأخرى.
في حياتي زرت كثيراً من المدن الأوربية المهمة, ولكني لم أجد ما يضاهي سحر وروعة روما وجميع المناطق الإيطالية, فروما متحف كبير لا يخلو شارع أو زقاق فيها من أثر تاريخي, وحتى أن كثيراً من المباني والعمارات التي ما زالت مسكونة تعتبر أثراً تاريخياً, فهناك مبان عمرها أكثر من أربعمائة عام وما تزال مسكونة وبحال جيدة, وتجد الحكومة الإيطالية أحياناً مشكلة في الحفر لغرض بناء نفق مترو مثلاً بسبب غنى الأرض بالآثار التي تمثل كل العصور والحضارات, هناك غنى مذهل في الثقافة والتاريخ, وأنا أظن أن إيطاليا دولة فقيرة غنية مثلما الكويت دولة غنية فقيرة.
في روما كنت أسير بمعدل عشر ساعات يوميا, وعندما أتعب أجلس في أحد المقاهي المنتشرة في كل الشوارع والأزقة والساحات, واشعر بمتعة كبيرة جداً لعيشي في هذا الكنز الثقافي, ورغم أني غطيت معظم مناطق وشوارع روما مشياً على الأقدام, إلا أنني لم أغطي كل متاحفها ومعارضها وآثارها لكثرتها ولتزاحم السياح عليها, فازدحام السياحة في روما ليس له مثيل في العالم أجمع, فطوابير السياح أمام شبابيك تذاكر الدخول إلى المتاحف تمتد إلى أكثر من كيلومتر ونصف وأحياناً أكثر, لذا ففرصة مشاهدة كل شئ صعبة عملياً في إجازة قصيرة نسبياً, وعندما تسأل الإيطاليين عن مواسم الذروة في السياحة, يقولون رسمياً بالصيف لكن عملياً طوال العام.
ولا تقتصر السياحة على ثقافة الآثار والمتاحف والفنون التشكيلية, ولكن تنتشر الفنون الموسيقية المختلفة في المسارح وبين الآثار في الهواء الطلق, فالأوركسترات والأوبرات والمهرجانات الموسيقية في كل مكان وعلى مدار العام, وقد سبق وزرت ساحات شهيرة مثل "بيازا نافونا" piazza navona "والعتبات الاسبانية" piazza di Spagnaفي فترات مختلفة من العام, وفي جميع هذه الفترات كانت هذه الساحات تعج بالسياح لدرجة يصعب فيها التحرك, "فنافورة الأمنيات" fontan di trevi لا تستطيع الوصول لها بسهولة بسبب اكتظاظ الناس وتدافعهم, والنوافير التي تحتوي على منحوتات وتماثيل شهيرة لمايكل أنجلو مثلاً, تجد متأملين لها بالساعات وعلى مدار الساعة من جميع أنحاء العالم ما عدا الخليجيين.
من النادر أن تجد خليجياً في مكان فني أو تاريخي بكل أسف, رغم أنك قد تصادف أناساً من دول فقيرة, وفروا مالاً فقط لزيارة ومشاهدة هذه الآثار, لكن يمكن أن تجد الكويتيين والخليجيين في الأسواق, لكني بالطبع أعلم أن هناك كويتيين يهتمون لهذه الثقافة, ويزورون إيطاليا كل عام, لكن الظاهرة أن الخليجي يفضل لندن وباريس على روما, والتسوق والماركات هي المحفز لسياحتهم, رغم وجود كل هذه الماركات في الخليج, وحتى في زياراتهم الدائمة للمدن الأوربية لم يدخلوا لمتحف أو مسرحية أو أوبرا.
وعندما تبتعد قليلاً عن أماكن السياحة التقليدية, وتدخل إلى الأزقة وأماكن السكن تجد الود والكرم الإيطالي, فالجميع يود التحدث معك ودعوتك للجلوس معه, وعندما تسألهم عن شارع أو مكان, يشرحون لك باللغة الإيطالية, والغريب أنك تفهم, فإضافة إلى أن بعض مفردات الإيطالية تشبه الإنجليزية, فهم يستخدمون لغة الإشارة مع الحديث, الشعب الإيطالي شعب أصيل وحميم وعريق بثقافته ومشاعره, يحترم الثقافة والمثقفين.
ما أثار شجني أنني زرت "فيلا بورغيس" villa borghese, وهو عبارة عن حديقة كبيرة وغابات وبيوت تاريخية تحولت إلى متاحف, وحديقة حيوانات, ومقابلها متحف الفن الحديث, وفي الحديقة ساحات وتماثيل لشعراء غير إيطاليين, وإحدى هذه الساحات باسم أحمد شوقي, وفيها تمثال ضخم له, وتماثيل أخرى لبوشكين الشاعر الروسي العظيم, وغوغول القصاص الروسي المبدع, وكذلك الروائي الفرنسي فكتور هوجو وغيرهم, أحسست بحزن وعبرة تخنق حنجرتي, في إيطاليا يقدر الشاعر العربي, وفي البلاد العربية يمنع الإبداع ويجرجر المفكر والأديب إلى النيابة والمحاكم.



osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

آخر الشعراء/ السفراء






هناك عصر انتهى, يعرفه أبناء جيلي جيداً, عصر رجال الدولة, عندما كان الوزير وزيراً وليس موظفاً, عندما كان الوزير صاحب قرار, وحامل للمسئولية.
كنا في الستينيات, كان هناك حادث مروري وكان هناك جمع من الناس, اقتربت واندسست بين الناس ورأيت ما خلق الجمهرة, كان عسكري في الجيش الكويتي يمسك بخناق مرتكب المخالفة بيد, وباليد الأخرى يمسك بعقاله المرصع بشعار الدولة, وبينما كان الناس يحرضوه:
-دعه يمضي في حال سبيله طالما لم تأت الشرطة.
كان يردد عليهم بحزم:
-أنا مسئول عن هذه.
وهو يرفع شعار الدولة أمام أعين الناس.
هذه الكويت التي افتقدتها, وافتقدها أبناء جيلي, كويت كان يعتمد فيها على الرجال الذين كانوا مسئولين بحق, ولم يكن اختيارهم للمسئولية سواء كوزراء أو سفراء إرضاء لأحد, أو تسوية لحسابات حزبية أو قبلية أو طائفية, كان الاختيار يعتمد على الثقافة والوعي والحس الوطني.
عندما أسس الأستاذ المناضل الكبير جاسم القطامي وزارة الخارجية, كان السفراء الذين مثلوا الكويت في العواصم المهمة هم الموسيقار على زكريا الأنصاري, الشاعر عبدالله حسين الرومي, الفنان حمد الرجيب, والشاعر محمد أحمد المشاري, والشاعر يعقوب الرشيد, ناهيك عن الدور الكبير للأستاذ عبد العزيز حسين عندما كان رئيساً لبيت الكويت بالقاهرة, وممثلاً لدولة الكويت سواء في الكلمة التي ألقاها في مقر الأمم المتحدة, عندما رغبت الكويت بالانضمام كعضو إلى هيئة الأمم المتحدة, أو لدول الخليج لتقديم المساعدات التعليمية, والقائمة تطول لتشمل الفنان التشكيلي قاسم عمر الياقوت ومحمد أحمد الغانم الذي كان سكرتيراً للنادي الأدبي عام 1924, ولا نستثني كتاب ومثقفين أو شعراء مستنيرين مثل أحمد السقاف وعبد الله بشارة ومحمد أحمد المجرن وعبدالله السريع وغيرهم من الرجال الأفاضل, كانت قيمتهم كمثقفين ومفكرين هي ما جعلتهم رجال دولة.
عندما صدر مرسوم بتعيين حمد الرجيب سفيراً مفوضاً فوق العادة في الجمهورية العربية المتحدة, سألت والدي رحمة الله عليه ما معنى مفوضاً فوق العادة, أجاب أي أنه مفوض باتخاذ أي قرار يراه مناسباً دون الرجوع لوزارة الخارجية أو للحكومة الكويتية, هذا السفير كان يستقبل في ديوانه بالقاهرة الفنانين والأدباء والمفكرين العظام بالقاهرة إضافة إلى رجال السياسة, كان يعرف ديوانه بأنه أهم وأشهر منتدى ثقافي في القاهرة في حينها, وأنا شخصياً حضرت اجتماع تأسيس فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية, حيث سعى حمد الرجيب للحصول على تبرع من الشيخ صباح السالم الذي كان أمير الكويت في ذلك الوقت, وأصبح حمد الرجيب أول رئيس للفرقة.
ويذكر حمد الرجيب في كتابه "مسافر في شرايين الوطن", أنه عند تقديم أوراق اعتماده كسفير لدولة الكويت لملك المغرب الحسن الثاني, أخبره رئيس المراسم أنه يجب أن ينحني حسب التقاليد في حضرة الملك, قال له حمد الرجيب بما معناه نحن لم نعتد الانحناء أو تقبيل اليد مهما كان الشخص الذي نقابله, وبالفعل أدرك الملك هذا الأمر بما عرف عنه من فطنة وحكمة, وتصرف بسرعة وبادر إلى مصافحة السفير.
في القاهرة كان الوزراء في ذلك الوقت يطلبون من حمد الرجيب التوسط لهم عند الرئيس جمال عبد الناصر, كان يستطيع مقابلة الرئيس في أي وقت, بل أن جمال عبد الناصر طلب من أمير الكويت أن يبقى حمد الرجيب سفيراً في مصر, ولذا ظل سفيراً لمدة أربع عشرة سنة في القاهرة قبل أن ينتقل إلى المغرب.
كانت البلد تبنى على يد المثقفين والأدباء والفنانين, والآن بعد تخلي الدولة عن المثقفين والثقافة, والاستناد إلى موظفين وقبليين وطائفيين, ليس لديهم أي اهتمام بالثقافة, يجلسون على كراس فقط لأنهم أقرباء لفلان أو من ضمن أبناء القبيلة الفلانية أو الجماعة الدينية هذه أو تلك, لم يعد لإمكانات الإنسان ووطنيته وإخلاصه أي اعتبار في الكويت, ولذا تردت الأوضاع وتفشى الفساد والتخلف, بل أصبح من حق أي مراهق أن يجرجر أديباً أو مثقفاً أو مفكراً إلى المحاكم أو إلى السجن, وهذا هو الفرق بين تلك الكويت التي افتقدناها بحق وبين هذه الكويت التي يستطيع أي متنفذ أو فاسد أن يؤثر في مسيرتها ومستقبل التنمية فيها.
ما دعاني إلى تذكر هذا الموضوع, هو غضبي وإحساسي بالفقد لرحيل الشاعر السفير والصديق يعقوب الرشيد, هذا الرجل الذي ساهم في إثراء الحياة الثقافية والحضارية في الكويت, بصفته إنساناً وشاعراً وسفيراً, مثل بلاده في كل المجالات, كان شغوفاً بإكمال مسيرة والده رجل التنوير الكبير عبد العزيز الرشيد أحد الأعلام في الثقافة الكويتية, كان يعقوب الرشيد شاعراً رقيقاً, وإنساناً مهذباً راقياً, مثل كل إنسان كويتي مثقف.
رحل الرشيد وترك فينا إحساس بالفقد وتساؤل: ماذا يخبئ لنا القادم من الأيام؟, نعلم أن البلد ولادة, لكن هناك من يئد الولادات الجميلة, هناك من لا يحب الكويت كما يجب أن تكون, ثقافية حضارية, فكونها كذلك فضح له ولمصالحه, هناك من يتمنى مسح تاريخ الكويت الحقيقي الثقافي/الحضاري.
لكن الشعر باق, والثقافة باقية, والوطن باق.
يقول الشاعر يعقوب السبيعي في إحدى قصائده:
"واللي ما عنده إلا هالوطن كل شي عنده".

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

Sunday, November 4, 2007

حسين مسيب يتذكر




كنت في زيارة للفنان التشكيلي الكويتي الرائد الأستاذ حسين مسيب, وهو من جيل التشكيلين الأوائل, حيث التسجيلية تميز أعماله, فلوحاته الأولى عبارة عن تسجيل للبيئة الكويتية في فترات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات, أما أعماله في المرحلة الأخيرة فهي تعكس حالات إنسانية, مثل العتال والعمال والحرب والسلم, كما يعتبر من النحاتين الأوائل في الكويت, وأنا أفخر باقتنائي لمجموعة من أعماله وخاصةً رائعته "الحمالي".
حكا لي الفنان حسين مسيب عن بداياته الفنية والتي لم تكن تخلو من معاناة العمل في شركة نفط الكويت والدراسة الليلية, قال أنه في عام 1958م قام بنحت تمثال مستخدماً سكين مطبخ, إذ لم يكن باستطاعة الفنانين توفير أدوات الرسم والنحت الضرورية, وعندما انتهى العمل أخذه إلى الأستاذ عبد العزيز حسين الذي كان مديراً للمعارف, ويكمل حسين مسيب: انتظرت في مكتب السكرتير الذي أدخل التمثال على المدير ثم بعد دقائق طلب رؤيتي, دخلت عليه فنهض من مكتبه وتقدم وصافحني بحرارة وتواضع ثم سألني: نحت هذا العمل وحدك؟ فأجبته: نعم وحدي, ثم أخذ عبد العزيز حسين يتأمل التمثال الذي كان عبارة عن رجل شبه عاري, وأخيراً علق: "جميل", وكتب توصية إلى موجه التربية الفنية بالمعارف السيد حامد حميده, "يرجى الاهتمام به وتوفير كل الإمكانيات والمواد اللازمة وتسهيل إبداعه", ولأن الموجه لم يكن موجوداً في مكتبه ترك حسين مسيب الورقة على المكتب, ثم فوجئ بالأستاذ حميده يطرق باب بيته بعد ساعات, وقام الموجه بأخذ حسين مسيب بسيارته الخاصة إلى المرسم الحر, وأخبر الحارس بأن يفتح الباب للفنان في أي وقت, ويأخذ خامات وأدوات مثلما يحب.
يقول حسين مسيب أن عبد العزيز حسين كان له فضل على الفنانين وعلى الفن التشكيلي, من خلال التشجيع والاقتناء وتوفير كل الإمكانات, وكان مقدراً للفن الرفيع, ولم يكن هناك استهجان للعري الفني في المنحوتات, وحتى رئيس المعارف في ذلك الوقت الشيخ عبدالله الجابر الذي كان يفتتح المعارض الفنية ويثني على الأعمال الفنية دون احتجاج على العري الفني, كان ذلك قبل غزوة الجهل.
وحتى عندما أصبح خالد المسعود وزيراً للتربية والتعليم, استمر بتشجيع الفن التشكيلي, بل كان يضع أحد أعمال حسين مسيب على مكتبه, وأهديت أعمال كويتية للسفير الأمريكي في ذلك الوقت, وقام المرحوم صالح شهاب بأخذ عدد من أعمال الفنانين الكويتيين لافتتاح سفارتنا في نيويورك.
كان ذلك في الخمسينيات والستينيات, ويستغرب الأستاذ حسين مسيب من موقف الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية, عندما عرض في الثمانينات لوحة له تمثل رجل عار في كهف ورفضتها الجمعية بحجة أن العري ممنوع في الأعمال الفنية.
هذا التغير في القيم الفكرية أحبط الكثير من الفنانين التشكيليين الكويتيين, إذ لا يتوافق الإبداع مع التخلف أو الرقابة والقيود, بل أن الفن التشكيلي الكويتي كان متقدماً, وكانت للفنان مكانة, والآن يقبع هؤلاء الرواد في زوايا النسيان, وبعضهم مريض مثل الفنان حسين مسيب والفنان المؤرخ التشكيلي حميد خزعل, دون اهتمام من الدولة أو الجمعية لعطائهم وتاريخهم الفني, وعزاء هؤلاء الفنانين أنهم يجتمعون في منزل أحدهم يتذاكرون الأيام الخوالي, ومنهم فاضل العبار ونادر فرس وحسين مسيب وحميد خزعل وغيرهم.
في الكويت هناك مجموعة من المسئولين في الحكومة كان لهم فضل على الحركة التشكيلية, اهتموا بها لإيمانهم وعشقهم لهذا الفن, فإضافة إلى عبد العزيز حسين كان صالح شهاب وسعدون الجاسم ود. سليمان العسكري وآخرين, كان حبهم وتقديرهم للفن التشكيلي عاملاً من عوامل تقدم هذا الفن, لم يكونوا مجرد موظفين يهزون رؤوسهم أمام اللوحات دون أن يفقهوا شيئاً, بل كانوا يحللون اللوحة ويتذوقون اللون وضربات الفرشاة, ويناقشون طويلاً مع الفنانين.
الآن في المجلس الوطني هناك آلاف من اللوحات والأعمال النحتية المقتناة من فنانين كويتيين وعرب وعالميين, والتي تعتبر ثروة لقيمتها الفنية ولقيمة أسماء الفنانين, عدا عن الأعمال التي دمرت ونهبت أثناء الاحتلال, ونتمنى أن يتم إخراجها من مخازنها, واستخدامها الاستخدام الأمثل, وأن يتم تكريم هؤلاء الفنانين الرواد ومنحهم جائزة الدولة التقديرية لأعمالهم التي رفعت رأس الكويت على مدى عقود, وتوثيق سيرهم وأعمالهم بشكل لائق, إذ نخشى أن يرحلوا بعد عمر طويل ويطويهم النسيان, وتختفي مرحلة ريادية هامة في تاريخ الفن التشكيلي الكويتي.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

نادر فرس يسجل خبرة تاريخية تشكيلية أولى




كنت في يوم الخميس 2 أغسطس الماضي, كعادتي كل خميس برابطة الأدباء, ولأن المناسبة كانت بالضبط هي تاريخ الخميس الأسود, تاريخ الغزو العراقي على الكويت, جلسنا نتذكر أنا وزملائي أين كنا في مثل هذا اليوم عام 1990م, وما كان شعورنا في ذلك الوقت, وسمعت الأخ عبد العزيز السريع يقول أنه كان بالقاهرة في 2 أغسطس عام 1990م عندما اتصلت به إذاعة صوت العرب من القاهرة, وطلبوا منه الحضور يوم السبت مع صورة شخصية, وفي يوم السبت 4 أغسطس أعطوه هوية باعتباره مديراً لإذاعة الكويت من القاهرة, وبالفعل باشر عمله الوطني من هذا الموقع, وسمعته يقول أن الدكتور سليمان العسكري لعب دوراً ثقافياً هاماً في القاهرة للحفاظ على الدور الثقافي للكويت, وقد سمعت هذا الموضوع من الدكتور سليمان نفسه, وتذكر الدكتور سليمان الشطي صدمته ودهشته من أحداث اليوم الأول ورؤيته للإسعاف ورجال الشرطة وهم ينقلون الجرحى والمصابين من الشوارع, ويذكر كذلك معاناته في المستشفيات التي سرقت إمكانياتها مع أبنه الذي كان في غيبوبة, وتذكر الشاعر يعقوب السبيعي اليوم الأول للغزو عندما كان في تركيا, وعد المبلغ المتبقي له من الدولارات, فوجد أنه يكفيه أسبوعين فقط, وكان الدكتور خليفة الوقيان يتذكر أنه اختير ليكون الأمين العام المساعد لتحضير المؤتمر الشعبي بجده, والذي تم فيه تأكيد الشعب الكويتي على التمسك بالنهج الديمقراطي, والذي للأسف تم نقضه في سنوات ما بعد التحرير.
أنا كنت متابعاً للمباحثات التي جرت في جده عشية الغزو بين عزت الدوري والشيخ الأمير الوالد سعد العبدلله الصباح, ومتابعاً للحشود العراقية الكبيرة على حدود بلادي الشمالية, وفي العاشرة مساء مر بي الصديق أحمد الديين وسألني عن رأيي بما يحدث, فقلت له انهيار تام وخطر محدق, ولم أنم تلك الليلة وتابعت إذاعة الكويت وسمعت النداء الأول وظللت أتابع إلى أن بدأت الانفجارات تبدو قريبة وواضحة, وبعد يومين انضممت إلى المقاومة العسكرية بقيادة العقيد في سلاح الطيران ناصر بوعركي, هذا الإنسان الباسل والوطني البطل, وصدرت سبعة أعداد من نشرتي "الوطنيون الأحرار" وسأحاول أن أكتب تفاصيل أكثر في مقال منفصل.
الفنان التشكيلي الكويتي نادر عبد الحميد فرس كانت له تجربة فريدة تاريخياً, وهامة وملفتة للنظر, فالفنان نادر هو عقيد متقاعد في سلاح الطيران, وقد كان رائداً عندما اعتقل هو ومجموعة كبيرة من الضباط والعسكريين في الجيش والشرطة, وسجنوا في المعتقلات العراقية لمدة ثمانية أشهر.
في متحف بطرس برغ الحربي, سابقاً لينين غراد, التي حاصرها الجيش النازي فترة طويلة وقدمت أكبر عدد من الضحايا في الحرب العالمية الثانية, هناك اسكتشات وبورتريهات لضباط وجنود رسمها أحد الضباط, ولأهميتها التاريخية وضعت بالمتحف, وكذلك هناك رسومات رسمها أحد الضباط الأمريكان وهو في معتقله أثناء الحرب الكورية, وهذه الرسومات تمثل قيمة فنية وتوثيقية لشعوبها, خاصة لغياب آلة الكاميرا في السجون.
نادر فرس قام بهذا العمل التاريخي الرائع أثناء أسره ومجموعة كبيرة من الضباط الكويتيين, فبحسه الفني والوطني رسم على ما تيسر له من أوراق وأقلام, المعتقلات التي تنقلوا بينها, وحياة الأسرى في هذه المعتقلات, فهناك رسومات تبين كل تفاصيل معيشتهم, مثل التحقيق معهم ومحاولة إغرائهم بمناصب, وأحاديثهم والأشغال اليدوية الرائعة التي أبدعوها, وانتظارهم لخبر الحرب, وخبر التحرير, تبدو على وجوههم مشاعر الألم والخيبة والرجاء والأمل, في الواقع هذه رسومات مذهلة.
والأعمال الأجمل هي بورتريهات لوجوه الأسرى, وكل منها عمل متقن للغاية ورغم أني أعرف بعض هذه الشخصيات, فإن الناظر إليها يستطيع التفريق بين الضباط الكبار والضباط الأقل رتبة, ونقل نادر فرس المتقن للملامح والتعبيرات يجعلنا نقرأ بسهولة هذه التراتبية, لقد ظللت لساعات طوال ولعدة أيام أتمعن في صور هذه اللوحات الجميلة بحق, وأتخيل قيمتها التاريخية, وأتصور فائدتها لعلم النفس والأنثروبولوجي, وللباحث التاريخي والباحث التشكيلي.
وقد لا يعلم البعض أن نادر فرس لم يدرس الفن التشكيلي أكاديمياً, ولكنه درس الهندسة في الولايات المتحدة الأمريكية, كما قد لا يعلم البعض أنه والفنان فاضل العبار من العازفين الممتازين لآلة البيانو, ويعزفون الموسيقى الكلاسيكية بإتقان مذهل.
صحيح أن اللجنة الوطنية لشئون الأسرى والمفقودين اشترت بعد التحرير لوحات نادر الفرس الأصلية بسعر بخس, لكن اللوحات للأسف ضاعت في المخازن, كما أخذ بعض أصحاب البورتريهات لوحاتهم, وكان من المفترض أن تعتبر هذه اللوحات كنزاً وطنياً يوضع بالمتحف الوطني, ونريد من النقاد دراسة وافية ومتعمقة لأعمال نادر فرس, وخاصة للبورتريهات أثناء الأسر.
وقد اقترحت على الأستاذ نادر أن يطبع هذه اللوحات في كتاب مع شروحات يكتبها بنفسه, ويوزع هذا الكتاب على السفارات والضيوف, ويكون متاحاً للجميع, ولكني أعلم أن تكلفة طبع الكتاب عالية, ليس بمقدور الفنانين تحملها, ولذا أناشد الأيادي البيضاء أن تقوم بدورها الوطني, لإنصاف المبدعين من أبناء الكويت, ولتخليد مرحلة صمود الشعب الكويتي, وهمجية المحتل الذي لا يجب أن تنسى أبداً على مر الأجيال, ومهما شرحنا لأحفادنا معاناتنا أثناء الاحتلال فلن نستطيع إيصال الصورة كما أبدعها نادر فرس.


osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com

فتيل الزيت




طوبى لفتيل الزيت الذي يحترق لينير دروبنا.
الأدباء والفنانون متعبون بهمومهم, يمضون حياتهم لخدمة الأدب والثقافة والفن, يعطون بنبل وصدق, يحترقون ببطء مثل فتيل الزيت, ينيرون دروبنا دون منة أو مقابل, في الوقت نفسه ينعم المتسلق الثقافي بالمجد ويقتات من جسد الوطن, وكأن التاريخ لا يستطيع التفريق بين فنان وأديب ومثقف حقيقي وبين مدع ومزيف, بين من يعمل بصدق للوطن وللثقافة وللتاريخ, وبين من يسعى للكسب الآني, لكن عبر التاريخ الماضي بقي الحقيقي وتلاشى المزيف, وعبر التاريخ الآتي لن يبقى سوى النور الذي صنعه فتيل الزيت.
متعبون يعملون بصمت مهيب في الظل, بعيداً عن الأضواء وكاميرات الشهرة والتلميع, وفي كويت اليوم, كويت الإجحاف بحق الثقافة والفن والأدب يزدادون تعباً دون يد بيضاء تمتد لهم, لدينا من يرفع أسم الكويت عالياً, لدينا من نفخر بوجودهم وإبداعهم, لكن الضوء مسلط على سارقي مال الدولة ومنتهكي سمعتها الثقافية, مثلاً أليس ظلماً وإجحافاً أن تعلق لوحة في رابطة الأدباء تضم وجوه ليس لها علاقة بالأدب أو حتى الثقافة على الإطلاق, وتختفي منها وجوه منتجة للأدب؟!
الفنان والمؤرخ التشكيلي حميد خزعل, قد يكون الوحيد في تاريخ الكويت الذي عمل بجهد على تأريخ الفن التشكيلي الكويتي ودراسته بشكل فني ورؤية فلسفية جميلة ومميزة, كل تسجيل الآخرين للفن التشكيلي الكويتي بمن فيهم الأخوة العرب, مع التقدير كان أما سطحياً أو متحيزاً يبرز البعض ويواري البعض, أو يحوي أخطاء مضللة, لكن عمل حميد خزعل يظل مميزاً عن كل الكتابات التشكيلية الأخرى, التي كان معظمها سير ذاتية للفنانين وكتالوجات للوحاتهم, بينما كتابات خزعل تتميز بالتحليل لفلسفة الفنان اللونية والشكلية والموضوعية, سواء لعمل واحد أو مجمل الأعمال, إضافة إلى هم كبير يحمله حميد خزعل, وهو هم نشر الفن التشكيلي الكويتي وتعريف العالم به, والدفاع عنه أمام تعالي النقد العربي.
عرفت حميد خزعل عندما كنت مديراً لإدارة الثقافة والفنون بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, وكانت مراقبة الفنون التشكيلية ضمن مسئولياتي, وكان لدينا مشروع هام هو توثيق الفن التشكيلي الكويتي بشكل يتسم بالعلمية والموضوعية لجميع الفنانين وبالتساوي, إذا لا يخفى وجود حزازات وخلافات وغيرة بين التشكيليين, مثلما هي موجودة بين الأدباء وغيرهم, وكان حميد خزعل هو الاختيار الأمثل لمثل هذا العمل, فهو يتميز بالهدوء والتهذيب والتسامي عن الشخصانية والصراعات, سواء مع الوسط التشكيلي أو مع المؤسسات الثقافية الرسمية, إضافة إلى إمكانياته الفكرية والكتابية, وقد خبرته شخصياً في محاضرات وندوات حول الفن التشكيلي الكويتي في عدد من الأسابيع الثقافية في الخارج أذكر منها البحرين.
وبالفعل عملنا على المشروع الثقافي الهام, مثلما عملنا على إصدار منارات ثقافية لمجموعة من الأدباء والمثقفين الراحلين, وكنا نعلم مقدار النقص الكبير في النشر التشكيلي الكويتي, كما كنا نعلم أن الصعوبات قد تنحصر في الموازنات وفي حصر المعلومات, لكننا كنا نثق في حميد خزعل الذي جمع مادة ودراسات كثيرة حول الفن التشكيلي, وبعدما استقلت من وظيفتي استمر تعاون إدارة الفنون التشكيلية مع حميد خزعل في هذا المشروع.
في الأسبوع الماضي ضمني لقاء مع حميد خزعل ومجموعة من الفنانين التشكيليين, وسألته عن مشروع النشر التشكيلي, فقال صدر عن المجلس الكتب التالية:
-سلسلة الفنانين التشكيليين, وهي سلسلة كتب تتناول جميع الفنانين التشكيليين الكويتيين, لكن المجلس اعتذر عن طبع كتاب الفنان حسين مسيب.
-كتاب التراث في الفن التشكيلي الكويتي.
-مع على العوض الخزاف في الكويت.
-السباحة في بحر قصاصات الورق, عن الفنان الراحل أحمد عبد الرضا.
ولاستيفاء بقية الفنانين التشكيليين, تقدم حميد خزعل إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالجزء الأول من كتاب "سلسلة أوراق تشكيلية كويتية", وهو مشروع هام جداً يخدم الحركة التشكيلية والفنانين التشكيليين الكويتيين, ويقدمهم للعالم, لكن للأسف أيضاً اعتذر المجلس عن هذا المشروع الهام.
لكن ذلك لم يوقف الفنان حميد خزعل عن هدفه النبيل, فأنشأ مشروع "نقطة" على الشبكة الإلكترونية "الإنترنت", وعلى نفقته الخاصة, وهذا المشروع الذي سأتشرف بكتابة مقدمته بطلب من حميد خزعل, عبارة عن كتاب إلكتروني, وهو نفس الكتاب الذي اعتذر المجلس عن طباعته, وسيقدم الفن التشكيلي الكويتي إلى العالم الواسع مجاناً, وقد أطلعني الأستاذ حميد على نماذج منه, فهو من الفنانين القلائل الذين يطورون مهاراتهم التقنية ويتابعون أحدث التطورات التكنولوجية التي تخدم الثقافة والفن والأدب.
وكنت أتمنى أن تمتد يد بيضاء لتعينه على خدمة الوطن, وهو ليس الوحيد الذي لا يستطيع تحمل نفقة طباعة كتبه, بل الفنان نادر فرس الذي لديه " إسكتشات" نادرة لواقع الأسر وبورتريهات الضباط الأسرى الذين كانوا معه بالأسر, وهو شئ نادر في تاريخ الكويت, وأيضاً هناك أدباء وشعراء لا يستطيعون طباعة كتبهم, ويتعففون عن طلب المساعدة.
قد لا يعرف الجميع, أن الفنان حميد خزعل مريض بتكسر الصفائح الدموية, ويصل في بعض الفترات مرحلة حرجة, وينزف بشكل مؤلم, وهو ممنوع من الخروج نهاراً, لأن الأدوية التي يتناولها تسبب سرطان الجلد في الشمس, لكن إرادته وحلمه يجعلانه لا يكف عن العمل, لا يوقفه إلا الإنهاك فيستلقي على سريره, فهو الآن مع الفنان فاضل العبار يعملان لإقامة معرض نحتي في العام القادم, والنحت منهك للإنسان العادي, ولأن صب التماثيل من البرونز مكلف, فحميد خزعل كلما وفر مبلغاً بسيطاً أرسل عملاً إلى المسبك بالصين.
وإضافة إلى كل ذلك فقد أنشأ عدة مواقع إلكترونية لخدمة الفن التشكيلي منها:
www.altshkeely.com
وهو موقع لنشر مجمل كتابات الفنانين التشكيليين العرب, وقد جمع حميد خزعل حتى الآن أكثر من 700 موضوع تشكيلي عربي وعالمي, وسيوثق ذلك على فترات في أقراص مدمجة.
www.q8art.net
وهو موقع حول الفن التشكيلي الكويتي
www.dot4art.com
موقع آخر للفن التشكيلي الكويتي
www.daleely.net
وهو دليل للفنانين التشكيليين العرب, عبارة عن معلومات شخصية لتسهيل الوصول لهم, عناوينهم وهواتفهم ومواقعهم.
www.almohallab.info
وهو يضم المواقع التشكيلية العربية
www.khazaalart.com
موقعه الشخصي
هذا ما أعرفه عن العمل اليومي الجبار, لصاحب العزيمة الذي يصارع المرض والزمن دون مساعدة أو اهتمام من الآخرين, المرض والزمن بالنسبة له عدوان يمنعانه من تحقيق حلمه برفعة وطنه الكويت, ونشر الفن التشكيلي الكويتي وإنصافه أمام العالم, يقوم بدور لم تستطع المؤسسات الثقافية القيام به.
شفاك الله وعافاك يا أبا فيصل, سأفرح فقط عندما أراك تستلم جائزة الدولة التقديرية على جهودك العظيمة, وسأرتاح عندما أعلم أن هناك من قدر جهدك الوطني فيمدك بالمال لتحقيق حلمك الكويتي.

osbohatw@gmail.com
www.alrujaibcenter.com