Friday, November 20, 2009

الإسلام السياسي والرأسمال العالمي

عند التساؤل ما هو التناقض بين الإسلام السياسي والرأسمال العالمي، نجد أن الإجابة البسيطة أنه لا تناقض على الإطلاق بينهما، وخصوصا أن الأخيرة تعتاش على ريع الأولى، وما تنتجه أدوات الإنتاج الرأسمالية، فالإسلام السياسي غير منتج اقتصادياً، ولكنه يدور في فلك الرأسمال العالمي، ويعتاش من وجودها، وقد يكون التناقض الوحيد بينهما هو التناقض الثقافي أو الحضاري، وهو تناقض هامشي وغير رئيسي، بينما تتلاقى وتنطبق مصالحهما الاقتصادية، ليس بصفتهما شركاء في الانتاج، ولكن بصفتهما منتج ومستفيد طفيلي، أو بصفتهما شركاء في استغلال الجماهير.وبالطبع لا يملك الإسلام السياسي مصانعاً وشركات انتاج سلعية ضخمة وعالمية، ولكنه يملك بنوكاً وشركات استثمارية وعقارية ريعية، فلا تناقض طبقي بين الإسلام السياسي والرأسمال العالمي، سواء كان دولاً إسلامية أم أحزاب سياسية.تتكون الأحزاب لتمثل طبقات اجتماعية لها مصالح اقتصادية، بعضها اصلاحي وبعضها يسعى للانقضاض على السلطة، من خلال برامج وأجندات. من خلال العمل الداخلي المشروع مثل البرلمانات ومؤسسات المجتمع، أو من خلال عمل سري تآمري أو حركات تمرد مسلحة، لكن في النهاية لن تكون الغاية هي نشر العدالة الاجتماعية والمساواة بين أفراد المجتمع، بل السيطرة على المقدرات الاقتصادية للدولة، بشعارات قد تبدو ظاهرياً نبيلة وإنسانية.في بدايات تكوينها، ضمت الأحزاب الإسلامية فئات فقيرة وكادحة في مجتمعاتها، واستقطبت الفلاحين وابناء البادية في المجتمعات المختلفة، تلك الفئات لها مصلحة تتناقض مع الرأسمال العالمي، ولكنها نشأت في البداية على أموال الدول الاستعمارية، مثل حركة الاخوان المسلمين في مصر، التي تبرعت لها هيئة قناة السويس البريطانية بمبلغ خمسين جنيها، ومثل حركة طالبان التي قدمت لها الولايات المتحدة الأميركية ملايين الدولارات من ميزانية الكونغرس، إضافة إلى الأسلحة لمقاومة دخول الاتحاد السوفياتي إلى أفغانستان، وقد لا يكون الدعم المادي من الولايات المتحدة مباشرة، بل من حليفاتها من الدول الإسلامية، إلا أنها وبعد عقود تحولت هذه الأحزاب الإسلامية إلى مؤسسات مالية ضخمة، تدعم مثيلاتها في الدول المختلفة.وقد ينخدع البعض بالعنف الموجه من قبل هذه الأحزاب، للدول الاستعمارية التي رعته بالأساس، لكن هذا العنف في جزئيته تحررياً، لكن في استراتيجيته سعياً للسيطرة على البلدان وثرواتها، بشعارات أخلاقية ووطنية، لكن بطرق لا أخلاقية في كثير من الأحيان.فمشروعها الأيدلوجي لا يتناقض مع المشروع الرأسمالي العالمي، بل يتقاطع معه جزئياً، فأميركا مثلاً أطلقت على الإسلاميين في أفغانستان صفة المحاربين من أجل الحرية، لكن هؤلاء المحاربين ظنوا وهماً بأن الفضل يرجع لهم في الانتصار، فتناقضوا جزئياً مع أميركا، لكن يبقى الصراع غير رئيسي.كما أن معارك الإسلام السياسي في مجتمعاته، ليست معارك من أجل الأخلاق كما يبدو على السطح، ولكنها معارك من أجل الحصول على حصة من الثروة، ومن ثم السيطرة عليها، وهذا ما دمج العديد من فئات الإسلام السياسي بطبقة الرأسمالية الكبيرة، وتلاقت معها بغض النظر عن شعاراتها المطروحة.وبعدما كانت الأحزاب الإسلامية تعتاش على مساعدات بعض الدول، أصبحت تسير وتنمو بقوة الدفع الذاتي، بقوة أموالها واستثماراتها، التي ما كانت لتنمو لولا التحالف مع الرأسمال العالمي، والسير في فلكه، إذ لا يوجد ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي خارج سياق النظام الرأسمالي القائم على الربح والعمل المأجور.وعندما يطالب النواب الإسلاميين في مجلس الأمة الكويتي، مطالب شعبية، مثل اسقاط القروض عن المواطنين، هي لا تفكر في مصلحة الشعب، التي لا تكمن في هدر المال العام، ولكنها تفكر في التكسب السياسي، الذي سيدر عليها في النهاية ملايين الدنانير، من خلال المناقصات والفساد الإداري، دون أن تضطر للإنتاج، فالاصلاح والتنمية تعني حرمانها من حصة أكبر من الثروة وبشكل أسرع.ففي مقابل دعواتها الظاهرية في الحفاظ على القيم وما يسمى بالثوابت، تجنح في سلوكها إلى استغلال الشعب وتكبيل حرياته، كما فعل الغرب الاستعماري، وتمارس سلوكاً لا أخلاقياً وبعيدا عن تعاليم الدين، في سبيل الربح وترسيخ النفوذ.

2 comments:

غريب الروح said...

السلام عليكم و رحمة الله
أسعدت صباحا سيدي الفاضل

كانت هذه أول مقالة أقرؤها من مجموعة مقالاتك في مدونتك هذه ... أعجبتني ... و آنستني نظرتك للأمور و طرحك للفكرة

سيدي الكريم ...
ألا تتفق معي أن كل سياسات العالم الحاضر .. إن كانت اجتماعية أو سياسية أو إقتصادية .. ترشف من معين ثقافتنا الإسلامية و تنهل من بحر ما كان لنا من المجد التليد

الإنسان بطبيعته ينأى للعدل و الخير .. لكنه يحتاج ربما لبعض من التوجيه

و أنا أرى أن العالم الغربي أجمع وجد في دين الإسلام و سياساته المتجددة و طرق تعامله مع الامور خير قائد و خير دليل و ربان

في روسيا ... استفاد البلاشفة من هذه الثقافة .. ثقافة العدل و المساواة .. و ذلك بحكم قربهم من كثير من الدول و الأقاليم التي ازدهر فيها اللإسلام

في السويد ... نظام ضرائبهم يشبه كثيرا ما نجده في موضوع الزكاة في الإسلام .. بنسبه و طرق تطبيقه
و للأسف الشديد لا زلنا نسأل انفسنا كشرقيين و كمسلمين لماذا دخل الفرد مرتفعا في السويد !

والامثلة كثيرة جدا ...

-------

سعدت جدا بمتابعتي لكتاباتك ... كن على يقين بأني سأتواجد هنا يوميا
و ربما أحتاج لوقت طويل لأنتهي من القراءة هنا

-------

هذه مدونتي .. و يسعدني تواجدك فيها
و يسعدني أكثر نقدك و رأيك
http://gareebelroh.blogspot.com/

-------

لك مني كل التحية

وليد الرجيب said...

غريب الروح
سعدت بمرورك ورأيك
إذا لاحظت أنا لم اتحدث عن الإسلام ولكني تحدثت عن الإسلام السياسي والذي لا يختلف في أساليبه عن الانتهازية السياسية في أي مكان وأيضا حاولت أن أبين أنه من الناحية العلمية والاقتصادية لا يوجد شيء اسمه اقتصاد اسلامي, هناك اجراءات ومصطلحات اسلامية لا تخرج عن جوهر النظام الاقتصادي الرأسمالي
وخرجت بذلك عن مفهوم العدالة بالإسلام والتكافل الاجتماعي
صحيح ان الحضارات أخذت من بعضها واستفادت في تقدمها
ولكن الحديث عن ماضينا يجب فقط ن يكون للدرس والعبرة ولا يصلح للوقوف عنده والمراوحة بالمكان
كم من انسان مسلم يدعي امانة والصدق ولكنه بنفس الوقت سارق وظالم وكاذب
فهل هذا ذنب الاسلام؟
لأن الخير هو النزعة الأساسية لدى الانسان كما تفضلت فهذا يعني أي انسان من خلق الله تعالى
مهما كانت الديانة التي يعتنقها
وتلك اولى تعاليم الانسان

اشكرك مرة أخرى وأتمنى لك السعادة والتوفيق