Sunday, April 13, 2008

العلم لا يلغي القيم




يعتقد البعض أن العلم سيقفز قفزات كبيرة في السنوات القليلة القادمة, لكن القيم ستتدهور بشكل غير مسبوق, وأنا مع رأي التقدم العلمي القادم بل أروج له, وأبقي عقلي مفتوحاً لكل جديد, ونستطيع أن نلحظ بعض مظاهر التطور في الطب وزراعة الخلايا الجذعية, والعلاج بالأفكار بدنياً ونفسياً وذهنياً, وكذلك بعض مظاهر تطور وسائل الاتصال بسرعة قياسية, وكذلك وسائل المعرفة والحصول على المعلومة بثوان قليلة.
لكني لست مع الرأي الذي يقول أن قيم البشر ستكون بتناسب عكسي مع العلم, فمنذ بدء التاريخ تعززت القيم البشرية المشتركة, كحب السلام والديمقراطية والإخاء بين الشعوب, وازداد الوعي بها ولأهميتها, لكن سلوكنا المتخلف هو ما يدمرها, وإن كان هناك من يريد وئد التحضر فلا يعني ذلك أنه يستطيع, وإن كان هناك شواذ فاقدو للقيم فلا يعني بأن ذلك هو الأصل بل الاستثناء.
فجوهر القيم البشرية هو الحب والتقدير واحترام الاختلاف, والشعور بالحرية الداخلية, والأمان والطمأنينة هي قيم بشرية لا تنتهي بل تتعزز, وقد أريقت من أجل هذه القيم دماء.
القيم هي ثقافة وتعدد, ولذا فهي تراكمية أي تزيد كل يوم ولا تنقص, كما تختلف وتتعدد في المجتمع الواحد, سواء بين الفئات أو بين الأجيال, فقيم أبناءنا قد تختلف عن قيم آبائنا في الشكل, لكنها متفقة معها بالجوهر, كما أن كل شعب يعتز بقيمه ويعتقد أنها الأفضل.
القيم تتطور مع تطور العلم والحياة, لكن ذلك لا يعني أننا لم نرث قيماً سلبية, مثل عدم تقدير المرأة, وحب كسر ومخالفة القوانين, وقيم التعصب القبلي والطائفي, وقيم تقديم العاطفة على العقل, كلها موروثة وقديمة وبالية ومتخلفة.
فقيم تقديم الولاء للقبيلة قبل الدولة واضحة هذه الأيام, لكن في العمق الاجتماعي هناك قيم وطنية عريقة لا تنتهي.
في صراع ديالكتيك القيم ليس مهماً المشهد الحالي, المهم أن الجديد والتقدمي هو الذي ينتصر بالنهاية, وأن القيم تتطور إلى الأمام مع تطور العلم, لا ضده.
القيم نسبية في إيجابياتها أو سلبياتها, ففي المجتمعات المختلفة هناك قيم مختلفة, وفي العصور المختلفة أيضاً تختلف القيم, وما يعتبر جيداً لدينا قد لا يكون كذلك في الغرب أو حتى في دولة عربية أخرى, فلبس البدلة كان قيمة محترمة في الكويت في سنوات الأربعينات والخمسينات والستينات, لأن من يلبسها هو المثقف والأديب والمعلم, وعندما تدنت هذه القيمة بالعشرين سنة الماضية, لم تلغى لأن ما يلغى من القيم هو الذي أثبت عدم جدواه للبشر في مسيرة التاريخ.
بعض الناس ينافقون في قيمهم, يؤمنون بشئ ويفعلون شيئاً آخر, فقط لإرضاء المحيط أو خوفاً من الصوت العالي, مثل اللحية والدشداشة القصيرة والصلاة في المسجد, فقط كي يعطي الشخص انطباعاً إيجابياً لدى الغير ولكنه غير صادق.
الناس الآن تصدق أن الإنسان مشى على سطح القمر, بعد أن كان البعض يرفض التصديق, كما يعرف الناس أنه يمكن معرفة نوع الجنين في رحم أمه, بل بالإمكان اختيار نوع الجنين وسماته, كما كان الإسلاميون يرفضون ويحاربون المحطات الفضائية, أما الآن فهم يستخدمونها لأغراضهم.
علينا فقط أن نعرف ونتفهم أن القيم لا يمكن أن تظل على حالها, فهذا يخالف سنة التطور في الحياة, لكنها من المستحيل أن تتدهور بشكل مطلق.


No comments: