Saturday, December 5, 2009

مسألة التنوير




يقول الفيلسوف أوجست كانت, "أن التوصل إلى التنوير يعني خروج الإنسان عن حالة القصور العقلي التي يجد نفسه فيها, والتي هو وحده مسؤول عنها, فإن تكون قاصراً عقلياً يعني أن تكون غير قادر على استخدام عقلك بدون وصاية شخص آخر وتوجيهه, فالإنسان مسؤول عن هذه الحالة, إذا لم يكن سببها نقصاً في عقله وإنما نقص في شجاعته وجرأته على اتخاذ القرار بمفرده".
من المعروف علمياً, أن القدرات الكامنة في عقل الإنسان مطلقة وغير محدودة, ولكنه لا يستخدم من هذه القدرات أكثر من 3%, كما أن الفروق بين البشر في قدراتهم العقلية, لا تكمن فقط بالتعلم والحصول على شهادات عليا, ولا فقط بالمهارات التي يكتسبها في مسيرة حياته, على الرغم من أهميتهما, ولكنها تكمن في استخدام العقل أو عدم استخدامه في التحليل والتفسير, وفهم العالم.
وحسب ويكيبيديا, فتنوير مصطلح يشير إلى نشوء حركة ثقافية تاريخية, تقوم بالدفاع عن العقلانية ومبادئها, كوسيلة لتأسيس نظام للأخلاق والمعرفة, ففي أوربا القرنين 18 و19 نادى العلماء والفلاسفة بقوة عقل الإنسان وقدرته على فهم العالم وإدراك قوانين حركته وتطوره, واعتمدوا على التجربة العلمية والنتائج المادية, بديلاً عن الخرافة والخيال.
ويؤكد كانت أسباب حالة القصور العقلي في سببين, الكسل والجبن, فتكاسل الناس في التفكير, أدى من جهة إلى تخلفهم, ومن جهة أخرى هيأ الفرصة للآخرين لاستغلالهم, وذلك بسبب عامل الخوف فيهم, ويرى أن تغيير اتجاه العقول يكون بالتربية العقلية والنقدية, وهذا يشترط الحرية بوصفها ضرورة للتنوير.
ورغم أن رجال الدين المتشددين من غير العلماء, سواء في أوربا أم في العالم العربي, قد حاربوا أي حركة تنويرية, إلا أن العقلانيين فيهم هم من نشر مبادئ التنوير, ومنهم في العالم العربي محمد عبده والأفغاني والكواكبي ورفاعة الطهطاوي وجرجي زيدان, وفي الكويت الشيخ يوسف بن عيسى القناعي والشيخ عبدالعزيز الرشيد وغيرهم.
وهؤلاء الرجال الذين لم يصبحوا تياراً مؤثراً تاريخياً, بمعنى التغيير في بنية الفكر العربي, جاءت آرائهم كردة فعل على الاستعمار والتبعية, رغم أنها نظرت إلى التراث نظرة نقدية, بمعنى إعادة قراءته, ولم ينجح التنويريون الذين أتوا لاحقاً, مثل طه حسين وسلامة موسى, بتشكيل تيار مؤثر في المجتمع, يرتكز على إنتاج المعرفة الجديدة.
وبعد هزيمة 1967م, بدأت حركة الانعزال والانسلاخ والغربة التي مارسها المثقف, مما ترك فراغاً وجدانياً جماهيرياً, أعطى الفرصة لانقضاض الاسلام السياسي على المكتسبات الحضارية, واستفحلت هذه الحركات لدرجة أنها هددت مواقع السلطة في مصر وغيرها من الدول الإسلامية, بل وبدأت السلطات تزايد على الخطاب الإسلامي السياسي الماضوي, خوفاً على مواقعها واستجابة للتهديد الذي مارسه أعداء التنوير, فتخلت عن بناء المجتمعات الحديثة.
فاغتيال المفكر فرج فوده عام 1992م مثلاً, أيده الشيخ محمد الغزالي مؤكداً:"أن مثل هذا الشخص يستحق عقوبة الإعدام التي يتوجب على الدولة تنفيذها, وعندما لا تقوم الدولة بتنفيذ العقوبة, ويقوم أحد المواطنين بأداء هذه المهمة, فلا يوجد في الإسلام عقوبة على هذا الفعل" (الوطن السعودية)., وعندما أهدر دم الكاتب السعودي تركي الحمد, لم تحرك الحكومة السعودية ساكناً لمعاقبة رجل الدين الذي أهدر دمه, وهذا يثبت أن التنوير وتنمية الإنسان ليسا في أجندة الأنظمة العربية, فهي تتبنى ما يوافق ويثبت مواقعها كسلطة, حتى وان كان ذلك ضد مصالح شعوبها في التنمية والتقدم.
لكن يخطئ من يعول على الزمن فقط في التغيير, فالتنوير لا يأتي كمنحة تاريخية, فالبشرية ومن خلال عمرها القصير خاضت معارك من أجل التنوير, وفي كل المجتمعات, حتى في المجتمع الإسلامي القديم, فامتعاض المثقف من الواقع وتذمره وترفعه عن المبادرة, وخشيته من بلل ثوبه, لا يساهم إلا في ترسيخ التخلف وتدمير عقل الإنسان.
فسلوك المثقف سلوك تبريري, ولسان حاله يقول إذا سألت فسأجيب, بينما قوى التخلف لا تعتمد على الخطاب النظري فقط, ولكنها تسعى وبشكل عملي على حبس القدرات العقلية للجماهير, وحرف اهتماماتها, وتخريب عقولها, بكل ما يتاح لها من أدوات شرعية وغير شرعية, بما فيها استخدام منجزات التقدم مثل الدموقراطية والتكنولوجيا.
ولعل أحد أسباب اخفاق وضعف حركة التنوير في عالمنا العربي والإسلامي, هو اشتراكها مع حركة التخلف في التعصب الفكري والعرقي والفئوي, وهي حدود تقيد التفكير العقلاني, والشجاعة في نقد الذات, وهي أساس من دونها لا يمكن الحديث عن التنوير.

1 comment:

الشجرة الأم said...

في الحقيقة موضوع جدا قيم ومهم .. وتعتبر العصبية من أشد الموروثات فتكا بنا

بارك الله فيك ونفع الله بك الأمة الإسلامية العربية